تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩

لمجرّد التّفسير ، بل هي كساير أخبار المبتدءات ، لكن سمّيت تفسيرا لما قررته ، والقصد بهذا الابهام ثمّ التّفسير تعظيم الأمر وتفخيم الشّأن ، فعلى هذا لا بدّ أن يكون مضمون الجملة المفسّرة شيئا عظيما يعتنى به فلا يقال مثلا هو الذّباب يطير المعنى اعلم أنّه كان ظنّ كثير من النّاس بعد ولايته عليه السّلام أنّ معاوية لا يمكَّن له ولا ينقاد لبيعته بأمارات كانت لائحة عندهم ( و ) لذلك ( قد أشار عليه أصحابه بالاستعداد ) والتّهيؤ ( لحرب أهل الشّام بعد ارساله ) عليه السّلام ( إلى معاوية لجرير بن عبد اللَّه البجلي ) مع كتاب له كتبه اليه على ما يأتي ذكره ، ولمّا لم يكن هذه الإشارة من الأصحاب مطابقة لرأيه الصّواب أجابهم بقوله : ( إنّ استعدادي لحرب أهل الشّام وجرير عندهم إغلاق للشّام ) واكراه ( وصرف لأهله عن خير إن أرادوه ) وذلك لأنّهم ما دام كون جرير عندهم في مقام الشّور والتروّى في متابعة أىّ الأميرين وإن لم يكن كلَّهم فبعضهم كذلك لا محالة فاستعداده لحربهم في تلك الحال موجب لاستعدادهم لحربه وتأهّبهم للقائه وملجئا ( 1 ) لهم إلى قتاله ، ففيه صرف لقلب من كان متردّدا في الأمر ومريدا للخير ( ولكن قد وقتّ لجرير وقتا لا يقيم بعده الَّا مخدوعا أو عاصيا ) وجه الحصر أنّ تخلَّفه عن الوقت الموقت له إمّا أن يكون بسبب تأخيرهم في الجواب خداعا له وأخذا في تلك المدّة بتهيّة الأسباب ، وإمّا أن يكون بسبب تقصير منه في المبادرة إلى المراجعة إليه ، فيكون عاصيا ولما لم يستصوب رأيهم أشار إلى وجه المصلحة وما هو الرّأى الصّواب بقوله : ( والرّأى مع الأناة ) ، وذلك لأنّ إصابة المطالب والظفر بها إنّما يكون في الغالب بالتثبّت والتّأنّي ، لأنّ أناة الطالب هي مظنّة فكره في الاهتداء إلى تلخيص الوجه الأليق والأشمل للمصلحة في تحصيل مطلوبه ، ولذلك جعل التوءدة من جنود العقل والتّسرّع وهو ضدّها من جنود الجهل .

هامش
( 1 ) اسم فاعل من الالجاء وهو الاكراه والاغلاق منه .