ويتنكَّب طريق العمى ، ولا يعين على فساد نفسه الغوات بتعسّف في حقّ أو تحريف في نطق أو تغيير في صدق ، ولا قوّة إلَّا باللَّه ، الحديث . وفي حديث الأئمة إنّ اللَّه أخذ من شيعتنا الميثاق كما أخذ على بني آدم ألست بربكم فمن وفي لنا وفي اللَّه له بالجنّة . وعن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ويجيء كلّ غادر يوم القيامة بامام مايل شدقه ( 1 ) حتّى يدخل النّار هذا . وقد ظهر لك ممّا ذكرناه ورويناه أنّ متعلَّق الوفاء أعمّ من عهود اللَّه سبحانه ومواثيقه التّي أخذها من العباد ، ومن عهود النّاس وشروط بعضهم مع بعض ومواثيقهم الموافقة للقوانين الشّرعية ، والأولى عامة لأصول العقائد من التّوحيد والنّبوة والولاية حيث أخذ ميثاق النّاس عليها في عالم الذّرّ ، وبالسّنة الأنبياء والرّسل والكتب المنزلة ، والفروع العقائد من العبادات البدنية والواجبات العملية ، والثانية شاملة للعقود التي يتعاقدونها بينهم من البيع والصّلح والإجارة ونحوها ، وللعهود والعدات المجرّدة عن العقد . وثمرة الوفاء بالأولى الترقّى إلى مدارج الكمال واليقين والطيران في حظيرة القدس مع الأولياء المقرّبين ، وثمرة الوفاء بالفروع البدنيّة النجاة من الجحيم والخلاص من العذاب الأليم ، ونتيجة الوفاء بالعقود المعقودة استكمال النّظام وحصول الانتظام ، وبالعهود المجرّدة اقتاء الفضايل واجتناب الرّذايل . والظاهر من كلامه عليه السّلام الذي نحن في شرحه هو أنّ مراده بالوفاء هو وفاء الناس بما يتعاهدون بينهم ، وبالغدر الغدر المقابل له ، وغير خفيّ أنّ حسن الوفاء ووجوبه إنما هو في حقّ أهل الوفاء كما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض كلماته : الوفاء لأهل الغدر غدر عند اللَّه ، والغدر بأهل الغدر وفاء عند اللَّه . يعني أنّه إذا كان بينهما عهد ومشارطة فغدر أحدهما وخالف شرطه فيجوز للآخر نقض العهد أيضا ، ولا يجب له الوفاء بل يكون وفائه في حقّه غدرا قبيحا ،
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 197
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٩٧
هامش
( 1 ) الشدق بالكسر وبفتح الدّال المهملة طفطفة الفم من باطن الخدّين ، ق .