الأوّل يستعمل فطنته في استخراج وجوه الحيلة لجلب منفعة دنيويّة وإن خالفت القوانين الشّرعيّة ، والكيّس يستعمل تفطنه في استنباط وجوه المصالح الكلية على وجه لا يخالف قواعد الشّريعة ، فلدقّة الفرق استعمل الغادرون غدرهم في موضع الكيس ونسبهم أهل الجهالة والغفلة إلى صحّة الرأي وحسن الحيلة ، كما كانوا يقولون في عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ولم يعلموا أنّ حيلة الغادر تخرجه إلى رذيلة الفجور وأنّه لا حسن في حيلة جرّت إلى رذيلة .
( ما لهم ) اى لهؤلاء الغادرين في افتخارهم بغدرهم ( قاتلهم اللَّه ) وأبعدهم من رحمته ( قد يرى الحوّل القلَّب ) أي كثير البصيرة في تحويل الأمور وتقليبها لاستنباط وجوه المصالح ، وأراد به نفسه الشّريف ومقصوده أنّ الغدر والخديعة ليس قابلا لأنّ يفتخر به فانّ صاحب البصيرة ربّما يعرف ( وجه الحيلة ) كأنّه يراه عيانا ( و ) مع ذلك لا يقدم عليها لما يشاهد أنّ ( دونها ) أي دون الحيلة والعمل بها ( مانع من أمر اللَّه ) بتركها ( ونهيه ) عن فعلها ( فيدعها ) ويتركها ( رأى عين ) أي مع رؤيته عيانا ( بعد القدرة عليها ) وتمكَّنه منها تجنّبا من الرّذايل الموبقة وخوفا من اللَّه سبحانه ( وينتهز فرصتها ) ويبادر إليها ( من لا حريجة له في الدّين ) ولا مبالاة له في أوامر الشّرع المبين ولا خوف له من اللَّه ربّ العالمين .
تبصرة
قد عرفت حسن الوفاء وأنّه ممّا يترتب عليه المدح والثّواب ، وقبح الغدر وأنّه ممّا يترتب عليه اللَّوم والعقاب ، فيكون الأوّل واجبا سواء كان في عهود اللَّه سبحانه أو عهود الخلق ، والآخر حراما ، وقد أشير إلى ذلك المعنى في غير موضع من القرآن ووردت بذلك أخبار كثيرة ولا بأس بالإشارة إلى بعضها فانّ الاستقصاء غير ممكن .
فأقول : قال سبحانه في سورة المائدة : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) *
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 193
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٩٣