تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
مقبلا وأرجو أن يكون الطائي ، فلما قرب إذا هو الطائي قد اشتدّ في عدوه مسرعا حتّى وصل ، فقال : خشيت أن ينقضي النّهار قبل وصولى فعدوت ، ثمّ قال : أيّها الملك مر بأمرك ، فأطرق النّعمان ثمّ رفع رأسه فقال : ما رأيت أعجب منكم ، أما أنت يا طائي فما تركت لأحد في الوفاء مقاما يفتخر به ، وأما أنت يا شريك فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء ، فلا أكون أنا ألام الثلاثة ألا وإنّي قد رفعت يوم بؤسى عن النّاس ونقضت عادتي كرما لوفاء الطائي وكرم شريك ، فقال له النعمان : ما حملك على الوفاء وفيه اتلاف نفسك ، فقال : من لا وفاء له لا دين له فأحسن إليه النعمان ووصله بما أغناه . ثمّ إنّه عليه السّلام بعد الترغيب في الوفاء وبيان حسنه رهّب عن الغدر بقوله ( ولا يغدر من علم كيف المرجع ) يعنى من كان له علم بحالة الغادر في الآخرة وبما يستحقّ به بغدره من الجحيم والعذاب الأليم ، لا يصدر منه غدر ولا يكون له رغبة إليه . روى في البحار من الكافي مسندا عن الأصبغ بن نباتة ، قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام ذات يوم وهو يخطب على المنبر بالكوفة : يا أيّها الناس لولا كراهية الغدر لكنت من أدهى النّاس الا أن لكلّ غدرة فجرة ، ولكلّ فجرة كفرة ألا وإنّ الغدر والفجور والخيانة في النّار هذا . ولمّا بيّن حسن الوفاء وقبح الغدر أشار إلى ما عليه أكثر أهل زمانه من رغبتهم إلى الغدر وعدّهم ذلك حسنا وغفلتهم عن قبحه فقال : و ( لقد أصبحنا في زمان اتّخذ أكثر أهله الغدر ) والخديعة ( كيسا ) وفطانة ( ونسبهم أهل الجهل فيه إلى ) صحة التّدبير و ( حسن الحيلة ) . وذلك لأنّ الغدر كثيرا ما يستلزم الذّكاء والتفطن لوجه الحيلة وايقاعها بالمغد وربه كما أنّ الكيس أيضا عبارة عن الفطانة وجودة الذّهن في استخراج وجوه المصالح ، فالغادر والكيس يشتركان في الاتصاف بالفطنة إلَّا أنّ