وقال الرّاغب : هي فيض إلهيّ يقوي بها الانسان على تحرّي الخير وتجنّب الشّرّ حتّى تصير كمانع له وان لم يكن منعا محسوسا . وقال العلَّامة في الباب الحادي عشر : العصمة لطف خفي يفعل اللَّه تعالى بالمكلف بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك . وقال المرتضى في كتاب الدّرر والغرر : العصمة هي اللَّطف يفعله اللَّه تعالى فيختار العبد عنده الامتناع من فعل القبيح ، فيقال على هذا : إنّ اللَّه عصمه بأن فعل له ما اختار عنده العدول عن القبيح ، ويقال : إنّ العبد معصوم ، لأنّه اختار عند هذا الدّاعي الذي فعل له الامتناع من القبيح ، وأصل العصمة في موضوع اللَّغة المنع ، يقال : عصمت فلانا من السّوء إذا منعت من حلوله به ، غير أنّ المتكلمين أجروا هذه اللَّفظة على من امتنع باختياره عند اللطف الذي يفعله اللَّه تعالى به ، لأنّه إذا فعل ما يعلم أنّه يمتنع عنده من فعل القبيح فقد منعه من القبيح فأجروا عليه لفظة المانع قهرا وقسرا وأهل اللغة يتعارفون ذلك أيضا ويستعملونه ، لأنّهم يقولون فيمن أشار على غيره برأي فقبله منه مختارا ، واحتمى بذلك من ضرر يلحقه وسوء يناله أنّه حماه ( 1 ) من ذلك الضّرر ومنعه وعصمه منه ، وإن كان على سبيل الاختيار انتهى . وقد ظهر ممّا ذكرنا كلَّه أنّ العصمة ملكة مانعة عن ارتكاب المعاصي وموجبة لاتيان الطاعات على وجه الاختيار ، فما ذهب إليه بعضهم من أنّ المعصوم مجبول عليهما وأنّه لا يمكنه الاتيان بالمعاصي باطل جدّا وإلَّا لما استحقّ مدحا كما هو ظاهر . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ النّاس اختلفوا في عصمة الأنبياء على أقوال كثيرة قال الفخر الرّازي وضبط القول فيه أن يقال : الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 98
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٩٨
هامش
( 1 ) أي حفظه .