تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وأنّ الأوساط كلها منقادة لحكمه مسخرة لأمره . الثّاني الحالة التي هي ثمرة تلك المعرفة وهي الخضوع والتّواضع والسرور بالنعم لا من حيث إنّها موافقة لغرض النّفس ، فانّ في ذلك متابعة لهواها وقصر الهمة على رضاها ، بل من حيث إنّها هدية دالة على عناية المنعم بك ، وعلامة ذلك أن لا تفرح من نعم الدّنيا إلَّا بما يوجب القرب منه . الثّالث العمل الذي هو ثمرة تلك الحال ، فان تلك الحال إذا حصلت في القلب حصل فيه نشاط للعمل الموجب للقرب منه تعالى ، وهذا العمل يتعلق بالقلب واللسان والجوارح . أمّا القلب فالقصد إلى تعظيم المنعم وتمجيده وتحميده والتفكر في صنايعه وأفعاله وآثار لطفه والعزم على ايصال الخير والاحسان إلى عامة الخلق . وأمّا عمل اللسان فاظهار ما قصدته ونويته من التمجيد والتّعظيم بتهليله وتحميده وتسبيحه والثّناء عليه وإرشاد الخلق بالأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر إلى غير ذلك . وأمّا عمل الجوارح فاستعمال نعمه الظاهرة والباطنة في طاعته وعبادته وعدم استعمالها في معصيته ومخالفة أمره كأعمال العين في النّظر إلى عجيب مصنوعاته وآياته ، والنظر في كتابه ، واستعمال السّمع في استماع دلايله وبراهينه والانصات لقرائة كتابه ، وقس على ذلك ساير الجوارح ، ومن هنا ظهر أنّ الشكر أشرف معارج السّالكين وأعلى مدارج العارفين ، ولا يبلغ حقيقته إلَّا من ترك الدّنيا وراء ظهره ، وهم قليلون ولذلك قال عزّ من قائل : وقليل من عبادي الشكور . انتهى كلامه قده ( وأستعينه فاقة إلى كفايته ) الكلام في هذه الفقرة كالكلام في سابقتها إذ الفاقة إلى كفايته سبحانه علة داعية إلى الاستعانة ، ومعناها طلب الإعانة منه تعالى للحاجة إلى غناه واستغناء به عن غيره سبحانه كما قال تعالى : * ( « أَلَيْسَ ا للهُ بِكافٍ عَبْدَه ُ » ) * .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 271 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي