أنّ الدّواعي قد توفّرت على حجبه وغيبته ، ونعم ما قال في التّجريد : وجوده لطف وتصرفه لطف آخر ، وعدمه منّا .
وبالجملة وقوع التّحريف والنّقصان في آيات الأحكام على فرض ثبوته ليس بأبعد من غيبة الامام ، فكما أنّ المكلفين صاروا سببا لاختفائه وغيبته ، ومانعا عن تبليغه والرّجوع إليه مع كونه أساس الأحكام وعماد الاسلام ، فكذلك صاروا مانعا عن استنباط الأحكام من القرآن بسبب ما فعلوه فيه من التّحريف وأحدثوه فيه من النّقصان .
الثالث قوله تعالى : ( وَإِنَّه ُ لَكِتابٌ عَزيزٌ لا يَأْتيه ِ الْباطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيْه ِ وَلا مِنْ خَلْفِه )
فانّ ورود التّحريف عليه إتيان الباطل من خلفه ، وقد أخبر اللَّه سبحانه بعدمه فلابدّ أن يكون سالما محفوظا .
وفيه أنّ المراد بالآية أنّه ليس في إخباره عمّا مضى باطل ، ولا في إخباره عمّا يكون في المستقبل باطل ، بل أخباره كلَّها موافقة لمخبراتها ، رواه الطبرسيّ في مجمع البيان عن أبي جعفر وأبي عبد اللَّه عليهما السّلام ، وفي تفسير القمي عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام قال : لا يأتيه الباطل من قبل التّوراة ولا من قبل الإنجيل والزّبور ، ولا من خلفه لا يأتيه من بعده كتاب يبطله
الرابع قوله تعالى : ( إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَه ُ لَحافِظُونَ )
فانّ اللَّه سبحانه قد أخبر بكونه حافظا للقرآن فلا بدّ من كونه محفوظا عن تطرق التغيير ، قال الفخر الرّازي في الآية دلالة قويّة على كون التسمية آية من كلّ سورة ، لأنّ اللَّه قد وعد بحفظ القرآن والحفظ لا معنى له إلَّا أن يبقى مصونا من الزّيادة والنّقصان ، فلو لم تكن التّسمية من القرآن لما كان القرآن مصونا من التّغيير ،
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 203
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٠٣