وسع البشر .
وقد روي أنّ من تكلَّم من قريش بكلام فصيح كان يعلَّقه على الكعبة مباهاة وتفاخرا ، فلمّا نزل الآية هذه ذهبوا في ظلام اللَّيل وأخذوا ما علَّقوه مخافة الفضاحة والشّناعة .
وفي مجمع البيان يروي أن كفّار قريش أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن ، فعكفوا على لباب البرّ ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين يوما لتصفو أذهانهم ، فلما أخذوا فيما أرادوا وسمعوا هذه الآية تركوا ما اخذوا فيه وافترقوا .
وكيف كان فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ وقوع التّحريف لا يخرجه عن الاعجاز حتّى تبقى النّبوة الخاصّة بلا دليل ، لأنّ الفصاحة باقية على حالها بل ساير وجوه الاعجاز أيضا موجودة فيه كالصّرفة واشتماله على القصص والحكايات ، والاخبار عن المغيبات وعدم الاختلاف فيه مع طوله إلى غير هذه من الجهات .
وأما الثاني فلأنّ المتيقّن الثّبوت من الأخبار الآتية هو طروّ التّحريف على الآيات المشتملة على فضائل أهل البيت وفضايح أهل النّفاق ، وأمّا طروّه على آيات الأحكام فهو بعد غير ثابت ، فالأدلة القطعية الدّالة على جواز العمل بالظواهر واستنباط الأحكام الشّرعية منها محكمة ، ولم يثبت مانع منها ، فلا يرفع اليد عن مقتضاها ، ومجرّد احتمال وجود المانع لا يكفي في رفع اليد عن اقتضاء المقتضى .
وبالجملة كون القرآن مدرك الأحكام الشّرعيّة إنّما يدلّ على عدم وقوع التّحريف والنّقصان في آيات الأحكام ، ويستلزم توفّر الدّواعي فيها فحسب لا مطلقا .
وهذا كلَّه مبنىّ على التّنزل والمماشاة وإلَّا فنقول إنّ كونه مدركا للأحكام وإن كان مقتضيا لتوفر الدّواعي إلَّا أنّه إنّما يتمّ إذا لم يمنع منه مانع ولم يمنع المكلفون على أنفسهم اللطف إذ قد يتوفر الدّواعي على تضييعه وكتمانه أكثر منها على ضبطه وإعلانه ، نظير الامام عليه السّلام ، فانّ وصيّة النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله بحفظه وإعانته وكونه حجة اللَّه على خلقه وبريّته وأصل أحكامه وشريعته ، ممّا يوجب توفّر الدّواعي عليه مع
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 202
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٠٢