* ( « وَلَوْ جَعَلْناه ُ مَلَكاً لَجَعَلْناه ُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ » ) * ولا بدّ أن يكون المعدّل له خصوصيّة ليست لساير النّاس حتّى يستشعر النّاس فيه أمرا لا يوجد لهم فيتميز به منهم ، فيكون له المعجزات التي أخبرنا بها ، والحاجة إلى هذا الانسان في بقاء نوع البشر أشدّ من كثير من المنافع التي لا ضرورة فيها للبقاء ، كانبات الشّعر على الحاجبين وتقعير الأخمص للقدمين وما يجرى مجراهما من منافع الأعضاء التي بعضها للزّينة وبعضها للسّهولة في الأفعال والحركات ، ووجود هذا الانسان الصّالح لأن يشرع ويعدل ممكن ، وتأييده بالمعجزات الموجبة لاذعان الخلق له أيضا ممكن ، فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضي تلك المنافع ولا تقتضي هذه التي هي أصلها وعمدتها .
فإذا تمهدت هذه المقدّمات فثبت وتبين أنّه واجب أن يوجد نبيّ وأن يكون إنسانا وأن يكون له خصوصية ليست لساير النّاس ، وهي الأمور الخارقة للعادات ، ويجب أن يسنّ للناس سننا باذن اللَّه وأمره ووحيه وإنزال الملك اليه ، ويكون الأصل الأول فيما يسنّه تعريفه إيّاهم أنّ لهم صانعا قادرا واحدا لا شريك له ، وأنّ النبيّ عبده ورسوله ، وأنّه عالم بالسّر والعلانية ، وأنّه من حقّه أن يطاع أمره ، وأنّه قد أعدّ للمطيعين الجنّة وللعاصين النّار حتّى يتلقى الجمهور أحكامه المنزلة على لسانه من اللَّه والملائكة بالسّمع والطاعة .
والى هذا البرهان أشار الصّادق عليه السّلام فيما رواه في الكافي باسناده عن هشام بن الحكم عنه عليه السّلام أنّه قال للزّنديق الذي سأله من أين أثبت الأنبياء والرّسل قال : إنّا لما أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصّانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشرونه ويحاجوهم ويحاجونه ، ثبت أنّ له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه وعباده ، ويدلَّونهم على مصالحهم وما به بقاؤهم ، وفي تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، والمعبّرون عنه جلّ وعزّهم الأنبياء وصفوته من
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 156
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٥٦