الثّاني لباب علمت والحال والصّفة فالأصحّ أنّه يسمّى تشبيها لا استعارة ، لأنّ اسم المشبّه به إذا وقع في هذه المواقع كان الكلام مصوغا لاثبات معناه لما اجرى عليه أو نفيه عنه فإذا قلت زيد أسد فصوغ الكلام في الظاهر لاثبات معنى الأسد لزيد وهو ممتنع على الحقيقة فيحمل على أنّه لاثبات شبيه من الأسد له ، فيكون الاتيان بالأسد للتشبيه فيكون خليقا بأن يسمّى تشبيها ، لأن المشبّه به إنّما جيء لإفادة التّشبيه بخلاف نحو لقيت أسدا فانّ الاتيان بالمشبّه به ليس لاثبات معناه لشيء ، بل صوغ الكلام لاثبات الفعل واقعا على الأسد ، فلا يكون لاثبات التّشبيه فيكون قصد التشبيه مكنونا في الضمير لا يعرف إلَّا بعد نظر وتأمّل ، وإذا افترقت الصورتان هذا الافتراق ناسب أن يفرق بينهما في الاصطلاح والعبارة بأن تسمّى إحداهما تشبيها والأخرى استعارة ، قال : هذا خلاصة كلام الشيخ في أسرار البلاغة وعليه جميع المحقّقين قال : ومن النّاس من ذهب إلى أنّ الثّاني أيضا اعني زيد أسد استعارة لاجرائه على المشبّه مع حذف كلمة التّشبيه والخلاف لفظي راجع إلى تفسير التّشبيه والاستعارة المصطلحين انتهى .
وقال الزّمخشريّ في تفسير قوله سبحانه : * ( « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ » ) * : فان قلت : هل يسمّى ما في الآية استعارة قلت : مختلف فيه والمحققون على تسميته تشبيها بليغا لا استعارة ، لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون والاستعارة إنّما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلوا عنه صالحا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام كقول زهير :
لدى أسد شاكي السّلاح مقذف
له لبد أظفاره لم تقلَّم
ومن ثم ترى المفلقين السّحرة منهم كأنّهم يتناسون التّشبيه ويضربون عن توهمه صفحا قال أبو تمام :
ويصعد حتّى يظنّ الجهول
بأنّ له حاجة في السماء