وذلك أن الكفّار نبّهوا عن آلهتهم بما يشاربه إلى الشّاهد المدرك ، فقالوا : هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالأبصار ، فأشر أنت يا محمّد إلى إلهك الذي تدعو إليه حتّى نراه وندركه لا ناله فيه ، فانزل الله تبارك وتعالى : قل هو إشارة إلى كونه تعالى عن ذلك بل هو يدرك الأبصار وهو اللَّطيف الخبير ، الله معناه المعبود الذي اله الخلق عن ادراك ذاته ، والإحاطة بكنهه ، أحد معناه الفرد المتفرّد الذي لا نظير له ، وهاهنا لطيفة ، وهي أنّ قوله : قل هو الله أحد ثلاثة ألفاظ ، كلّ منها إشارة إلى مقام من مقامات السّالكين : المقام الأول مقام المقرّبين ، وهو أعلى مقامات السائرين إلى الله ، وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيّات الأشياء وحقايقها ، من حيث هي هي ، فلا جرم ما رأوا موجودا في الحقيقة سوى الله ، لانحصار وجوب الوجود فيه ، وكون ما عداه ممكنا فيكون هو إشارة إليه سبحانه ، ولم يفتقر في تلك الإشارة إلى مميّز ، لأنّ الحاجة إلى المميز إنما يحصل إذا كان هناك موجودان ، وقد عرفت أنّهم ما شاهدوا بعقولهم إلا الواحد فقط ، فكفى لفظ لفظة هو في حصول العرفان التام .
المقام الثّاني مقام أصحاب اليمين الذي أدون من المقام الأوّل ، وذلك أنّهم شاهدوا الحقّ موجودا ، وشاهدوا الخلق موجودا ، فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة هو كافية ، فاحتاجوا إلى اقتران لفظة الله بلفظة هو حتّى يحصل التميز .
المقام الثّالث مقام أصحاب الشّمال الذي هو أحسن المقامات ، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد ، فقرن لفظ أحد بما تقديم ردّا على هؤلاء ، وإبطالا لمقالتهم فقيل قل هو الله أحد ( ومن قال فيم فقد ضمنه ، ومن قال على م فقد أخلى منه ) هاتان القضيتان في تقدير شرطيّتين متّصلتين يراد بهما تنزيه الحق سبحانه عن مثل هذين الاستفهامين في حقّه . وتأديب الخلق أن لا يستفهموا عنه كذلك ، وبيان المراد منهما باستثناء نقيض تاليهما ، وحذف الاستثناء هاهنا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 334
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٣٤