قال الشّارح المعتزلي : حفظ القرآن بعد أن جاوز ثلاثين في مدة يسيرة ، وعرف من الفقه والفرائض طرفا قويا ، وكان عالما ، أديبا ، وشاعرا مفلقا : فصيح النظم ، ضخم الألفاظ ، قادرا على القريض ، متصرّفا في فنونه إن قصد الرّقة في النّسيب أتى بالعجب العجاب ، وإن أراد الفخامة وجزالة الألفاظ في المدح وغيره أتى فيه بما لا يشقّ فيه غباره ، وإن قصد في المراثي جاء سابقا والشّعراء منقطع أنفاسها على أثره ، وكان مع هذا مترسّلا ذا كتابة قويّة ، وكان عفيفا ، شريف النّفس عالي الهمة ، مستلزما بالدّين وقوانينه .
قال صاحب اللَّؤلؤءة ذكر أبو الفتوح ابن جنّي في بعض مجامعه قال : احضر الرّضي إلى السّيرافي النّحوي وهو طفل جدّا لم يبلغ عمره عشر سنين ، فلقّنه النّحو ، وقعد معه يوما في الحلقة ، فذاكره بشيء من الاعراب على عادة التّعليم ، فقال : إذا قلنا رأيت عمر فما علامة نصب عمر فقال له الرّضي رضي الله عنه : بغض علي عليه السلام فتعجب السّيرافي والحاضرون من حدّة نظره .
وحكى أبو الحسن العامري قال : دخلت على الشّريف المرتضى ( رض ) فأراني بيتين قد علمها وهما :
سرى طيف سعدى طارقا فاستفزني
هوينا وصحبي بالفلاة رقود
فقلت لعيني عاود النّوم واهجعي
لعل خيالا طارقا سيعود
فخرجت من عنده ودخلت على أخيه الرضي ( ره ) فعرضت عليه البيتين فقال بديها :
رددت جوابا والدّموع بوادر
وقد آن للشّمل المشتّ ورود
فهيهات من لقيا حبيب تعرضت
لنا دون لقياه مهامه بيد
فعدت إلى المرتضى بالخبر ، فقال يعزّ على أخي قتله الزّكاء ، فما كان إلَّا يسيرا حتّى مضى الرّضي لسبيله ، رضي الله عنه وأرضاه .
قال الشّارح المعتزلي ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة ، حتّى أنّه ردّ صلات أبيه ، وناهيك بذلك شرف نفس وظلف ، فأمّا بنو بويه فانّهم اجتهدوا على قبول صلاتهم ، فلم يقبل ، وكان يرضى بالاكرام وصيانة الجانب ، وإعزاز الأتباع ، والأصحاب ،