وأما قوله وتقريره فمستفيضان ومواردهما كثيرة فمنها ما ذكره ابن عبد البر
في ترجمة جعفر من استيعابه ( 1 ) قال :
لما جاء النبي صلى الله عليه وآله نعي جعفر ( 2 ) أتى امرأته أسماء بنت
عميس فعزاها .
[ قال : ] ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول : واعماه ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وآله : على مثل جعفر فلتبك ( 3 ) البواكي .
ومنها : ما ذكره ابن جرير ( 4 ) وابن الأثير ( 5 ) وصاحب العقد الفريد ( 6 ) وجميع
أهل السير ( 7 ) ، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر في صفحة
هامش
( 1 ) الإستيعاب 1 : 312 .
( 2 ) قال ( رحمه الله ) : هذا الحديث مشتمل على تقريره صلى الله عليه وآله على البكاء وأمره به على أن
مجرد صدوره من سيدة النساء عليها السلام حجة كما لا يخفى .
( 3 ) قال ( رحمه الله ) : هذا أمر منه صلى الله عليه وآله بالبكاء ندبا على أمثال جعفر من رجال الأمة
وحسبك به حجة على الاستحباب .
( 4 ) تاريخ الطبري 3 : 27 .
( 5 ) الكامل في التاريخ : 2 : 132 .
( 6 ) العقد الفريد 2 : 86 .
( 7 ) قال علي بن برهان الدين الحلبي في السيرة الحلبية 1 : 462 : وسمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم نساء الأنصار يبكين على أزواجهن وأبنائهن وإخوانهن فقال : حمزة لا بواكي له ،
وبكى صلى الله عليه وسلم - ولعله لم يكن له بالمدينة زوجة ولا بنت - فأمر سعد بن معاذ
نساءه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله يبكين حمزة بين
المغرب والعشاء ، وكذلك أسيد بن خضير أمر نساءه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يبكين حمزة - إلى أن قال - : فلما رجع صلى الله عليه وسلم من
المسجد من صلاة المغرب سمع البكاء فقال : ما هذا ؟ فقال : نساء الأنصار يبكين حمزة ،
فقال : رضي الله عنكن وعن أولادكن ، وأمر أن ترد النساء إلى منازلهن - إلى أن قال - : وفي
رواية : فلما ذهب ثلث الليل نادى بلال : الصلاة يا رسول الله ، فقام من نومه ، وخرج وهن
على باب المسجد يبكين حمزة فقال لهن : ارجعن رحمكن الله ، لقد واسيتن معي ، رحم الله
الأنصار ، فإن المواساة فيهم كما علمت قديما - إلى أن قال - : وصارت الواحدة من نساء
الأنصار بعد لا تبكي على ميتها إلا بدأت بالبكاء على حمزة ثم بكت على ميتها .
وأخرج كذلك عن ابن مسعود : ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله باكيا أشد من بكائه
على حمزة ، وضعه في القبلة ، ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشق - أي شهق حتى بلغ
الغشي - يقول : يا عم رسول الله ، وأسد الله ، وأسد رسول الله ، يا حمزة ، يا فاعل الخيرات ،
يا حمزة ، يا كاشف الكربات ، يا ذاب ، يا مانع عن وجه رسول الله .
( أنظر : السيرة الحلبية 1 : 461 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 387 ) .
أقول : هذا حال رسول الله صلى الله عليه وآله عندما رأى حمزة شهيدا ، فكيف به
صلوات الله عليه لو نظر إلى ما صنع بولده الحسين وأهل بيته عليهم السلام لكان ذلك المنظر
أوجع لقلبه من منظر حمزة ويكون حاله كما قال القائل :
لو أن رسول الله يبعث نظرة * لردت إلى إنسان عين مؤرق
وهان عليه يوم حمزة عمه * بيوم حسين وهو أعظم ما لقي
ونال شجى من زينب لم ينله من * صفية إذ جاءت بدمع مرقرق
فكم بين من للخدر عادت مصونة * ومن سيروها في السبايا بحلق