النّقل وحيث انّ عموم الرّحمة وسعتها فرع وجودها وتحقّقها فلا بدّ لنا اوّلا من البحث عن أصل وجودها فيه ثمّ الكلام في عمومها وسعتها فيقع البحث في مقامين :
امّا البحث في المقام الاوّل عن أصل وجودها
- فاعلم انّ الرّحمة عبارة عن إفاضة الخير على المحتاجين عناية بهم وارفاقا لهم ولا شكّ انّ ما سواه محتاج فقير اليه تعالى كما قال في كتابه * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى أللهِ وا للهُ هُوَ الْغَنِيُّ ) * وقال رسول اللَّه ( ص ) الفقر فخرى .
وامّا كونه تعالى مفيضا عليهم فلكونه موجدهم ومنشئهم من العدم إلى الوجود والوجود أصل الخيرات وبذرها وإذا كان الوجود فيهم منه تعالى فالكلّ منه فاصل الرّحمة وهو الوجود منه وهو المطلوب .
قال الرّاغب في المفردات والرّحمة رقّه تقتضى الإحسان إلى المرحوم وقد تستعمل تارة في رقّة المجرّدة وتارة في الإحسان المجرّد عن الرّقة نحو رحم اللَّه فلانا ، وإذا وصف به الباري فليس يراد به الَّا الاحسان المجرّد دون الرّقة وعلى هذا روى انّ الرّحمة من اللَّه تعالى انعام وافضال ومن الآدميّين رقّة وتعطَّف وعلى هذا قول النّبى ( ص ) ذاكرا عن ربّه انّه لمّا خلق الرّحم قال له انا الرّحمن وأنت الرّحم شققت اسمك من اسمى فمن وصلك وصلته ومن قطعك تبّته ( قطعته ) فذلك إشارة إلى ما تقدّم وهو انّ الرّحمة منطوية على معنيين : الرّقة والإحسان فركز اللَّه تعالى في طبائع النّاس الرّقة ، وتفرّد بالإحسان فصار كما انّ لفظ الرّحم من الرّحمة فمعناه الموجود في النّاس من المعنى الموجود للَّه تعالى فتناسب معناهما تناسب لفظيهما والرّحمن