تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
مفارقتها فيمنع قلبه عن التّفكر في الموت الموت الَّذى هو سبب مفارقتها إذ كلّ من كره شيئا يدفعه عن نفسه والإنسان لمّا كان مشغوفا بالأمانى الباطلة وبالدّنيا وشهواتها ولذّاتها وعلائقها فتتمنّى نفسه ابدا ما يوافق مراده ومراده البقاء في الدّنيا فلا يزال يتوهمّه ويقرّره في نفسه ويقدّر توابع البقاء من أسباب الدّنيا فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر موقوفا عليه فيلهو عن ذكر الموت ولا يقدّر قربه فان خطر له في بعض الأحيان امر الموت والحاجة إلى الاستعداد له سوّف ووعد نفسه إلى أن يكبر فيتوب وإذا كبر اخّر التّوبة إلى أن يصير شيخا وإذا صار شيخا يؤخّرها إلى أن يفرع من عمارة هذه الضّيعة أو يرجع من سفر كذا أو يفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه وتدبير مسكن له ولا يزال يسوّف ويؤخّر إلى أن يخطفه الموت في وقت لا يحتسبه فتعظَّم عند ذلك بليّته وتطول حسرته وقد ورد انّ أكثر أهل النّار صياحهم من سوف يقولون واحزناه عن سوف والمسوّف المسكين لا يدرى انّ الَّذى يدعوه إلى التّسويف اليوم هو معه غدا وانّما يزداد بطول المدّة قوّة ورسوخا إذ الخائض في الدّنيا لا يتصوّر له الفراغ منها قطَّ إذ ما قضى من اخذ منها لبانته وانّما فرغ منها من اطرحها انتهى . ثمّ اعلم انّ النّاس في طول الأمل وقصره مختلفون . فمنهم - من يأمل البقاء ويشتهيه ابدا كما قال سبحانه : ايودّ أحدهم لو يعمّر الف سنة الآية وهو الَّذى انغمر في الدّنيا وخاض في لذّاتها وليس له من الآخرة نصيب .
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 433 | محمد تقي النقوي القايني الخراساني