نفسه حبّا شديدا فإذا احتمل مغلوبيّته للأعداء يفرّ منهم صونا لنفسه وحبّا لبقائه وهذا امر فطرىّ غريزىّ لا اختصاص له بشخص دون شخص فقوله ( ص ) لعلىّ ليس بفرّار ووصفه به لا يخلو من وجهين .
أحدهما - القول بكونه خارجا عن البشريّة مخالفا بالفطرة والغريزة معهم حتّى لا يعقل فيه حبّ البقاء والخوف وأمثال ذلك وهذا القول لا يمكن المسير اليه لانّه كان من البشر قطعا كما قال اللَّه تعالى مخاطبا لنبيّه ( ص ) في كتابه * ( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) * الآية وإذا كان الرّسول من البشر فعلىّ منهم بطريق أولى .
وثانيهما - كونه داخلا فيهم كما هو الحقّ الحقيق بالاتباع وعليه فلا محالة يكون كسائر الافراد من حيث الطَّبع والغريزة وحبّ البقاء والحياة والتّألم من الجراحات والأوجاع وإذا كان كذلك فكيف لا يكون فرّارا من الأعداء والمفروض انّ النّبى ( ص ) صادق مصدّق لا يبالغ في أحد ولا يقول الَّا حقّا .
وحلَّه - انّ الأمير ( ع ) وان كان كذلك اى كان بشرا كسائر الافراد من حيث الغرائز الَّا انّه ( ع ) كان في المعرفة والمحبّة للَّه ولرسوله في مرتبة لم يكن له توجه إلى نفسه الشّريفة أصلا كما هو مقتضى مقام الفناء في اللَّه فانّ العبد ما دام متوجّها إلى حياته وبقائه لم يكن متوجّها إلى محبوبه ومعشوقه حقّ التّوجه مضافا إلى انّ الفرار من أعداء اللَّه في الجهاد فرار من اللَّه في الحقيقة وهو ينافي العبوديّة والايمان ولذا عدّ الفرار من الزّحف وهو من الكبائر ولاجل ذلك وأمثاله وصفه ( ع ) بغير الفرّار وهو ادلّ دليل على كونه في أعلى مراتب العبوديّة
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 428
مساهمون: محمد تقي النقوي القايني الخراساني
ص٤٢٨