وثانيا انّ قوله ( ع ) بين مقبول في أدناه وموسّع في أقصاه ليس المراد من الأدنى القليل ومن الأقصى الكثير كما قالا به وفى اىّ لغة واصطلاح فسّرا بهما فإذا قيل زيد قد دنى اجله معناه انّ اجله قليل وإذا قيل جاء رجل من أقصى البلد معناه انّه جاء من كثير البلد وهل يحتمل ذلك عاقل فضلا عن فاضل وليت شعري بالباعث على هذا الَّذى يوجب صرف الكلام عن ظاهره أليس هذا توجيه الكلام بما لا يرضى صاحبه . والمعنى انّ الحقائق المستورة في القرآن من الواجبات والمندوبات والسياسات والاقتصاديات وسائر ما هو مركوز فيه لا يخلو حالها من وجهين : أحدها : ما يستنبط منه بالنّسبة إلى الأذهان بالأسباب القريبة من ظواهر الالفاظ والمعاني الابتدائية الَّتى يعلمها أكثر العلماء بلا تجشّم ومشقّة ، ولا يحتاج إلى اعمال قوّة الفكرية وامعان النظر وذلك كأكثر الآيات الواردة في الاحكام والقصص وسائر ما يتعلَّق بها كقوله تعالى : * ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) * ( 1 ) وقوله تعالى : * ( ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) * ( 2 ) وقوله تعالى : * ( ولا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ ) * ( 3 ) وقوله تعالى : * ( ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ) * ( 4 ) وأمثالها ، فانّ هذه الآيات أقرب إلى الأذهان بالنظر إلى فهم معناها من غيرها ولذلك
مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة — صفحة 537
مساهمون: محمد تقي النقوي القايني الخراساني
ص٥٣٧
هامش
( 1 ) - سورة البقرة آية 183
( 2 ) - سورة آل عمران آية 87
( 3 ) - سورة البقرة آية 188
( 4 ) - سورة المدثر آية 6