والجواب في الجميع ، أنّه إن كان انسباقاً معوّلاً عليه عند العرف المنسوب
إليهم الانسباق بحيث يحكمون به ولا يتوقّفون في العمل عليه ، فلا فرق في مقام
العمل بين الانصراف المانع عن الأخذ بالإطلاق بهذا القيد وبين الوضع في جميع
موارد عدم القرينة على الخلاف .
وإن كان غير معوّل عليه ، فإن كان موجباً لتحيّر العرف ، فهو خلف الفرض
من دعوى ما لا يتوقّف معه في العمل .
وإن كان غير مانع عن العمل عندهم بالإطلاق الموافق للوضع للأعمّ ،
فلازمه أنّه - مع خلوّ الذهن عمّا لا قرينيّة له ولا اعتماد عليه وقصر النظر إلى حاقّ
اللفظ - فالمتبادر حينئذ الأعمّ ، والموجود فيه صحّة الحمل ، لا صحّة السلب ;
والمفروض أنّه مع قطع النظر عن الاُمور الخارجيّة من مثل كثرة الاستعمال وقلّته ،
فالمتبادر من حاقّ اللفظ هو المتلبّس في الحال .
وبالجملة : فالانصراف إن كان بحدّ يمنع عن الإطلاق ، فلا حاجة إلى كونه
بسبب الوضع ; وإن كان كالانصراف البدوي غير معتنى به ، فلا محالة لا يكون
بسبب الوضع كما لا يمنع عن الإطلاق .
والسرّ فيه ، أنّ كثرة الاستعمال إذا بلغت حدّاً يوجب الانسباق بحيث
لا ينصرف الذهن إلى غيره ، فتلك موجبة للوضع التعيّني الكافي في المطلوب ،
وإلاّ فلا عبرة بها .
فمقتضى التبادر الذي لا يسئل عن سببه ، ليس إلاّ الاشتراط ; ومرجعه إلى
قيديّة التلبّس حدوثاً وبقاءً في الصدق على الحقيقة ; فلا يكون الاستعمال للعنوان
في حال الجري مع الانقضاء إلاّ مجازاً ، ويكون حقيقيّاً مع إرادة حال التلبّس ماضياً
- كان في حال الجري أو مستقبلاً - لرجوعه إلى إرادة من حدث منه الفعل أو
يحدث ، فلا ينافي القيديّة ; بخلاف إرادة من هو حال الجري معنون به مع عدم
مباحث الأصول — صفحة 194
مساهمون: الشيخ محمد تقي بهجت
ص١٩٤