وقال في ذلك :
وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه ، إما قد ملكهم
بالكرم والحلم والعطاء ، وإما قد ولدوا في الشام على حبه ، وتربى أولادهم على
ذلك . وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة ، وعدد كثير من التابعين والفضلاء ،
وحاربوا معه أهل العراق ، ونشؤوا على النصب ، نعوذ بالله من الهوى . كما قد نشأ
جيش علي رضي الله عنه ، ورعيته - إلا الخوارج منهم - على حبه والقيام معه ،
وبغض من بغي عليه والتبري منهم ، وغلا خلق منهم ( 1 ) في التشيع . فبالله كيف
يكون حال من نشأ في إقليم ، لا يكاد يشاهد فيه إلا غاليا في الحب ، مفرطا في
البغض ، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال ؟ فنحمد الله على العافية الذي
أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق ، واتضح من الطرفين ، وعرفنا مآخذ كل
واحد من الطائفتين ، وتبصرنا ، فعذرنا واستغفرنا ، وأحببنا باقتصاد ، وترحمنا على
البغاة بتأويل سائغ في الجملة ، أو بخطأ إن شاء الله مغفور ، وقلنا كما علمنا الله
* ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين
آمنوا ) * [ الحشر : 10 ] وترضينا أيضا عمن اعتزل الفريقين ، كسعد بن أبي وقاص ،
وابن عمر ، ومحمد بن مسلمة ، وسعيد بن زيد ، وخلق . وتبرأنا من الخوارج
المارقين الذين حاربوا عليا ، وكفروا الفريقين . فالخوارج كلاب النار ، قد مرقوا من
الدين ، ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار ، كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان .
فمن الأباطيل المختلقة :
عن واثلة مرفوعا " كاد معاوية أن يبعث نبيا من حلمه وائتمانه على كلام
ربي " .
هامش
( 1 ) من قوله " منهم على حبه " إلى هنا سقط من المطبوع . سير أعلام النبلاء 3 / 128 .