وحسبنا حجة على هذا قوله عز من قائل : وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى
الكعبين ، لاقتضائه فرض المسح على الأرجل أنفسها . فمن أين جاء المسح
على الخفين ؟ أنسخت هذه الآية ؟ أم هي من المتشابهات ؟ كلا بل هي
- إجماعا وقولا واحدا - من المحكمات اللاتي هن أم الكتاب ، وقد أجمع
المفسرون ( 1 ) على أن لا منسوخ في سورة المائدة المشتملة على آية الوضوء إلا آية
واحدة هي : " يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله " إذ قال بعضهم
بنسخها دون ما سواها من آيات تلك السورة المباركة .
أما الأخبار الدالة على الترخيص بالمسح على الخفين فلم يثبت منها
شئ على شرطنا ، وقد دلنا على وهنها مضافا إلى ذلك أمور :
أحدها : أنها جاءت مخالفة لكتاب الله عز وجل ، والمأثور عن رسول
الله صلى الله عليه وآله أنه قال : إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله
فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه ( 2 ) .
ثانيها : أنها جاءت متعارضة في أنفسها ولذا كثر الاختلاف بين
مصححيها العاملين على مقتضاها كما علمته مما أشرنا إليه قريبا . فإنهم إنما
تعارضوا في أقوالهم لتعارضها إذ هي مستندهم في تلك الأقوال ( 3 ) .
هامش
( 1 ) نقل هذا الإجماع فخر الدين الرازي ص 371 من الجزء 3 من تفسيره الكبير .
( 2 ) تجد هذا الحديث في آخر ص 371 من الجزء الثالث من تفسير الرازي .
( 3 ) كما اعترف به ابن رشد في أول صفحة 15 من الجزء الأول من بدايته حيث
ذكر اختلافهم في تحديد محل المسح . فقال : وسبب اختلافهم تعارض الأخبار في ذلك ،
واعترف به أيضا في ص 16 حيث ذكر اختلافهم في توقيت المسح إذ قال : والسبب في
اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك ( قال ) وذلك أنه ورد في هذا ثلاثة أحاديث ثم
أوردها بنصها فكان الأول فيها صريحا في كون الوقت ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما
وليلة للمقيم ، وكان الثاني نصا في الترخيص بالمسح على الخفين ما بدا للمكلف أن يمسح
من غير توقيت لا في الحضر ولا في السفر ، وكان نص الثالث مخالفا لسابقيه . . . ومن أراد
التوسع في معرفة اختلاف الأئمة الأربعة حول هذه المسألة فعليه بكتاب الفقه على
المذاهب الأربعة الذي أخرجته وزارة الأوقاف المصرية تحقيقا لرجاء الملك فؤاد الأول .