ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر لنا وهن أخبارها المسقط لاعتبارها .
خامسها : أنه لو فرض صحتها لوجب أن تكون منسوخة بآية المائدة
لأنها آخر سورة نزلت ، وبها أكمل الله الدين وأتم النعمة ورضي الإسلام
دينا فواجبها واجب إلى يوم القيامة ، وحرامها حرام إلى يوم القيامة كما
نصت عليه أم المؤمنين عائشة وقد قالت لجبير بن نفير - إذ حج فزارها - يا
جبير تقرأ المائدة ؟ قال نعم . قالت : أما أنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها
من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه ( 1 ) .
لكن الجمهور يتشبثون في بقاء حكم المسح على الخفين بعد نزولها
بحديث جرير : إذ بال فتوضأ فمسح على خفيه . فقيل له : تفعل هذا ؟ قال
نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله بال ثم توضأ فمسح على خفيه .
رواه مسلم وروى أن هذا الحديث كان يعجبهم وعلل ذلك بأن إسلام
جرير كان بعد نزول المائدة ( 2 ) .
قلت : بل أسلم قبل نزول المائدة بدليل حضوره حجة الوداع مع رسول
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم في أول تفسير سورة المائدة ص 314 من الجزء الثاني من
المستدرك ، ثم أخرج نحوه عن عبد الله بن عمرو بن العاص وقال بعد إيراد كل من
الحديثين : هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وقد أورده الذهبي في
تلخيصه مرمزا إلى صحته على شرط الشيخين .
( 2 ) قال النووي في تعليقه على هذا الكلام : معناه أن الله تعالى قال في سورة
المائدة : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى
الكعبين . فلو كان إسلام جرير متقدما على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح
الخف منسوخا بآية المائدة فلما كان إسلامه متأخرا علمنا أن حديثه يعمل به ، إلى آخر
كلامه . قلت : من أين لنا العلم بتأخره وقد بينا في الأصل تأخر المائدة .