مراتب ودرجات أعلاها ما حصل للنبي والأئمة ( عليهم السلام ) ، وأدناها ما يصون الشخص عن
المعاصي عمدا وسهوا ، وعن الاشتباه والسهو والنسيان في أمر الرسالة وشؤونها ، فعلى
هذا يمكن أن يوجد في عظماء الأنبياء نورانية وعناية ربانية دائمة تصرفهم عن ترك
الأولى ، وتدفع عن قلبهم غطاء السهو وحجاب النسيان .
وأما بالنسبة إلى نبينا ( صلى الله عليه وآله ) وأوصيائه وخلفائه الاثني عشر ( عليهم السلام ) فحيث إنهم في
أعلى مراتب القوة القدسية والنورانية الربانية ، وليس فوق رتبتهم في الحضور عند
المولى ، والجلوس على بساط قربه وأنسه رتبة ، فعدم صدور ترك الأولى عنهم كعدم
صدور المعاصي في نهاية الوضوح ، يظهر ذلك لكل من درس تاريخ حياتهم النورية
وأخلاقهم الإلهية ، وأدعيتهم ومناجاتهم ، وخشيتهم من الله تعالى ، وإنابتهم إليه
وانقطاعهم عن الخلق ، فهم أكمل المظاهر لإخلاص العبد وترك الاشتغال بغير الله
تعالى ، لا يصدرون إلا عن أمره ، كل أفعالهم محمودة مرضية ، وكل حالاتهم حميدة
شريفة ، لا تؤثر في وجودهم الدواعي إلا داعي الله ، ولا يشغلهم شئ عن امتثال أوامره
ونواهيه ، قد خرقت أبصار قلوبهم حجب النور فوصلت إلى معدن العظمة ، وصارت
أرواحهم معلقة بعز قدسه ، جباههم ساجدة لعظمته ، وعيونهم ساهرة في خدمته ،
ودموعهم سائلة من خشيته ، وقلوبهم متعلقة بمحبته ، وأفئدتهم منخلعة من مهابته ،
انقطعت همتهم إليه ، وانصرفت رغبتهم نحوه ، لقاؤه قرة أعينهم ، وقربه غاية سؤلهم .
إذا فكيف يصدر ترك الأولى ممن بعض شؤونه وحالاته ما سمعت ، رزقنا الله تعالى
محبتهم وولايتهم وشفاعتهم ، وحشرنا في زمرتهم .
ولا يخفى عليك : أن ترك الأولى ليس معناه ترك المستحب أو فعل المكروه
فحسب ، بل ربما يكون بترك المستحب أو فعل المكروه ، وربما يكون بفعل المستحب
وترك المكروه ، والنبي والإمام أعلم بموارد ترك الأولى ، فلا يجوز نسبة ترك الأولى إلى
النبي والولي ، بل إلى غيرهما من الفقهاء العارفين بأحكام الله تعالى ، وموارد تزاحم
المستحبات والمكروهات ، بعضها مع بعض ، بمجرد ترك المستحب أو فعل المكروه ، بل
يمكن الاستدلال بفعلها على عدم كون هذا الفعل أو الترك مستحبا أو مكروها بقول
مطلق ، وإلا لما كان يصدر عنهم .
مجموعة الرسائل — صفحة 58
مساهمون: الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني
ص٥٨