ويبدو أنه وإن كان الموت بسبب ارتكاب القتل وتأثير فعل القاتل في القتل ، مقررا
في نظام كل العالم الذي هو خلق الله وفعله ، إلا أن هذا الفعل ينسب إلى الفاعل ، وإن
كان الفعل صادرا من الفاعل بالقدرة التي منحها الله ، وكان تأثيره أيضا وفقا للنظام
الذي قرره الله سبحانه .
لا يقال : فما تقولون : إذا في معنى قوله تعالى : ( يحيي ويميت ) ؟ .
والجواب : أن جريان الموت والحياة في الكائنات على الدوام ، في جسم الإنسان ،
وفي خلايا الإنسان والحيوانات وجميع الموجودات الحية ، حتى النباتات ، فالأرض تحيا
بالربيع ثم تموت في فصلي الصيف والخريف تدريجا ، والله يميتها ويحييها بحكم الآية
الكريمة ( واعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ) ( 1 ) إن آثار إماتة الله وإحياءه واسعة
وكثيرة إلى درجة لا يتم شرحها وبسطها بكتابة مجلدات كثيرة ! كما أن أسرار هذا
الإحياء والإماتة في غاية من الغموض والكثرة إلى درجة يجد البشر نفسه معها - على
الرغم من جده واجتهاده وبحثه في كائنات هذا العالم - ما يزال في المرحلة الابتدائية من
الدراسة ، وفي صفها الأول .
فالله سبحانه المميت والمحيي وهو يميت ويحيي ، ولكن الفلاح مثلا ينثر حب
الحنطة أو البذور الأخرى ويحرث الأرض ويسقيها ، والله هو الذي ينمي الزرع وهو
الزارع الحقيقي كما قال سبحانه في كتابه ( أفرأيتم ما تحرثون ؟ أأنتم تزرعونه أم
نحن الزارعون ) ؟ ( 2 )
ولكن هناك فرقا بين من ينثر الحب ويحرث الأرض أو يغرس الشجر ، وإن كان الله
ينمي كل ذلك ، ويهبه النضرة والخضرة ، ويونعه بالأزهار والأثمار . . . وبين من يهلك
الحرث ويحرقه ويقطع الشجر ، فهذا الأمر وإن كان بسبب القوة التي منحها الله إياه ، وما
أودعه من أثر في الآلات ، لكن ذلك لا يسند إلى الله تعالى ولا يكون في صالح العبد دائما .
هامش
( 1 ) الحديد - 17
( 2 ) الواقعة - 64