والتفّ العلماء وطلاّب العلم ينهلون من نمير علمه ، وكان يتّصل به شيعته خاصّة
يسألونه الحلول لمشاكلهم والأجوبة لمسائلهم ، وخلال إقامته في المدينة كان في جميع
حالاته تحت رقابة عيون السلطة .
فبالنظر للمكانة العالية التي يتمتّع بها الإمام ( عليه السلام ) في نفوس المسلمين ، أراد
المتوكّل وبدافع من حقده السافر لأهل البيت ( عليهم السلام ) وهاجس الخوف الذي يراوده
من انصراف الناس إلى الإمام الهادي ( عليه السلام ) أن يعزل الإمام ( عليه السلام ) عن شيعته ومواليه
ومريديه من طلبة العلم ومحصّليه ، فاستدعاه إلى عاصمة ملكه سامراء ، وفرض
عليه إقامة جبريّة استمرّت أكثر من عشرين سنة .
لقد أُخرج الإمام ( عليه السلام ) مكرهاً من مدينة جدّه المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد عبّر عن
هذا بحديث رواه الشيخ الطوسي وابن شهرآشوب بالإسناد عن المنصوري عن عمّ
أبيه ، قال : قال يوماً الإمام عليّ بن محمّد ( عليه السلام ) : يا أبا موسى ، أُخرجت إلى
سرّ من رأى كرهاً ، ولو أُخرجت عنها أُخرجت كرهاً . . . الحديث ( 1 ) .
قال الشاعر :
وأُشخص رغماً عن مدينة جدّه * إلى الرجس إشخاص المعادي المخاصمِ
ولاقى كما لاقى من القوم أهله * جفاءً وغدراً وانتهاك محارمِ
وعاش بسامراءَ عشرين حجّةً * يجرّع من أعداه سُمّ الأراقمِ ( 2 )
هامش
( 1 ) المناقب 4 : 417 ، بحار الأنوار 50 : 129 / 8 .
( 2 ) المجالس السنيّة 5 : 656 .