عليهم من فيض علمه وحديثه ، وكانت الدعوة إلى الحقّ ومناصرة العدل ومساندة
المظلوم واجتناب الظَلَمة الذين تسلّطوا على الأُمّة واستبدّوا بمقدّراتها وكرامتها ،
واستهتروا بالقيم والأخلاق ، كانت هذه النواحي تحتلّ المكانة الأُولى في تعاليمه
وإرشاداته .
أقول : إنّ ما ذكره السيد هاشم معروف الحسني معلّقاً - في كتابه " سيرة الأئمة
الإثنى عشر " - صحيح ووارد ، غير أنّ عتوّ الجبّار المارد منصور الدوانيقي ،
وهلعه وخوفه على حكمه ، بالإضافة إلى وشاية وعّاظ السلاطين ، والحاسدين
والحاقدين ، ورسائلهم المتكرّرة المملوءة بالبهت ، تجعله يفقد صوابه وسيطرته
على زمام نفسه ، ولكنّ هيبة الإمامة وقوّة شخصيته عندما يقابله تجعله يتضاءل
أمام عظمة الإمام ورسالته ، حتّى آل الأمر إلى أن دسّ إليه السمّ الناقع بالطرق
التي ذكرها أرباب السير .
وكان مع ذلك يقول :
إنّ الإمامة لا تصلح إلاّ لرجل فيه ثلاث خصال : ورع يحجزه عن المحارم ،
وحلمٌ يملك به غضبه ، وحسن الخلافة على من ولي حتّى يكون بهم كالوالد الرحيم .
هذا ، والمنصور يسمع ويرى كلّ ذلك ، ولكنّه كان يُقَدِّر إنّ التحرّش بالإمام
الصادق والفتك به ستكون له من المضاعفات التي لا يمكن حصر نتائجها
وأخطارها ، ولولا ذلك لمثّل معه نفس الدور الذي مثّله مع العلويين من أُسرته ،
وكان قد ملأ بهم المعتقلات والسجون المظلمة وسلّط عليهم أعوانه يسومونهم
سوء العذاب ، حتّى إذا مات أحدهم في سجنه من التعذيب تركوه إلى جانب
الأحياء ينظرون إليه ويتململون من رائحته ، وبلغ بهم الحال أنّهم كانوا لا يعرفون
أوقات الصلاة إلاّ بتلاوة أجزاء من القرآن يوزّعونها على الليل والنهار ، وكانت
موسوعة المصطفى والعترة ( ع ) — صفحة 213
مساهمون: حسين الشاكري
ص٢١٣