أن يُذكر بالصولة ، واعلم بأنّك إن عاقبت مستحقّاً لم يكن غاية ما توصف به
إلاّ العدل ، والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر .
فقال المنصور : لقد وعظت فأحسنت وقلت فأوجزت .
وجاء في تذكرة الخواصّ لابن الجوزي أنّ المنصور وفد على المدينة سنة 144
في طريقه لأداء فريضة الحجّ فقال للفضل بن الربيع : ابعث إلى جعفر بن محمد
مَن يأتيني به متعباً ، قتلني اللّه إن لم أقتله . قال الفضل : فتغافلت عن ذلك طمعاً
في أن ينسى المنصور وتهدأ نفسه ، فأعاد علَيَّ طلبه ثانياً وثالثاً ، فلم أرَ بدّاً
من أن أستدعيه ، فأرسلت إليه ، فلمّا حضر قلت له : يا أبا عبد اللّه لقد أرسل إليك
لأمر عظيم وما أظنّك بناج منه ، فقال الإمام ( عليه السلام ) : لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ
العظيم ، ثمّ دخل على المنصور وسلّم عليه فلم يردّ السلام وقال له : لقد اتّخذك
أهل العراق إماماً يجبون لك الأموال من الزكاة وغيرها وتلحد في سلطاني وتبغيه
الغوائل ، قتلني اللّه إن لم أقتلك . فقال الإمام ( عليه السلام ) : يا أمير المؤمنين ، إنّ سليمان النبيّ
أُعطي فشكر ، وإنّ أيّوب ابتُلي فصبر ، وإنّ يوسف بن يعقوب ظُلم فغفر ، فاقتدِ
بأيّهم شئت .
لم يجد الإمام ( عليه السلام ) بداً من مقابلته وهو بتلك الحالة من الحقد والغضب عليه
إلاّ بهذا الأُسلوب الهادئ الليّن الذي هو من أبلغ ما يمكن أن يكون في مثل
هذه الحالات .
لقد أراد الإمام ( عليه السلام ) أن يضع حدّاً لغضبه فقال له ما مضمونه : إنّ اللّه إذا أنعم
على عباده استحقّ شكرهم كما شكره سليمان على نعمه ، وأنت محاطٌ بنعم اللّه
من جميع جوانبك ، والتنكيل بالأبرياء على الظنّة والتهمة كفر وجحود لنعم اللّه ،
وإذا كنت تراني بلاءً عليك فلو صبرت على هذا البلاء كما صبر أيوب على أسوأ
موسوعة المصطفى والعترة ( ع ) — صفحة 203
مساهمون: حسين الشاكري
ص٢٠٣