فإنّي رأيت ضرره عليك شديداً . فقال الإمام : علَيَّ من اللّه واقية تعينني عليه
إن شاء اللّه ، استأذن لي عليه ، فلمّا أذن له ودخل الإمام ، قال له المنصور : يا جعفر ،
قد علمت أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال لأبيك علي بن أبي طالب : لولا أن تقول فيك
طوائف من أُمّتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت فيك قولا لا تمرّ بملأ من الناس
إلاّ وأخذوا التراب من تحت قدميك . وقال علي : يهلك فِيَّ اثنان ولا ذنب لي :
محبٌّ غالِ ومبغضٌ مفرط ( 1 ) ، وإنّما قال ذلك اعتذاراً لأنّه لا يرضى بما يقوله فيه
المحبّ والعدوّ ، وأنت تعلم ما يقال فيك ، وقد زعم أوغاد الحجاز ورعاع الناس
أنّه حبر الدهر وحجّة المعبود وترجمانه وعيبة علمه ، فقل فإنّ أوّل من قال الحقّ
جدّك وأوّل من صدّقه عليه أبوك ، وأنت حريّ أن تقتفي آثارهما وتسلك سبيلهما .
فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : أنا فرع من تلك الزيتونة . فقال المنصور :
لقد أحالني على بحر لا يدرك طرفه ولا يُبلغ عمقه ، هذا هو الشجى المعترض
في حلوق الخلفاء الذي لا يجوز نفيه ولا يحلّ قتله ، ولولا ما يجمعني وإيّاه من شجرة
طاب أصلها وبسق فرعها وعذب ثمرها لكان منّي إليه ما لا تُحمد عقباه لما يبلغني
عنه من شدّة عيبه لنا وسوء القول فينا ، فأنكر عليه الإمام ذلك بأُسلوب يوحي
بالاعتذار .
ثمّ التفت إليه المنصور وقال : لقد صفحت عنك يا أبا عبد اللّه لصدقك ،
فحدّثني بحديث أنتفع به ويكون لي زاجراً من الموبقات .
فقال الإمام ( عليه السلام ) : عليك بالحلم فإنّه ركن العلم ، واملك نفسك عند أسباب
القدرة فإنّك إن تفعل ما تقدر عليه كنت كمن شفى غيظاً وتداوى حقداً ويحبّ
هامش
( 1 ) في بعض الروايات : " مبغضٌ قال " .