وفي خضمّ هذا المعترك المحموم ، كان لا بدّ من أن يكون للإمام دوره القيادي
المسؤول ، خصوصاً وإنّه يمثّل القاعدة الفكرية البارزة في المجتمع الإسلامي ،
والممثّل الأصيل للرسالة في شتّى منطلقاتها ، فقد واجه الإمام مختلف الصراعات
القائمة في عصره ، ووقف منها موقف الرسالي الهادف ، في مناظرات علمية رائعة ،
دافع فيها بما يملك من قوى إقناع هائلة ومنطق رسالي ثابت ، جعلت من الخصوم
الجبابرة أقزاماً تتضاءل بين يديه وتذوب كما تذوب دمى الشمع عندما تلامسها
حرارة النار ، وأنّى لدمى الباطل أن تصمد أمام إشراقة الحقّ ، وكيف لها أن لا تذوي
أمام حرارة الإيمان .
كما أنّ كثيراً من مناظرات الإمام ( عليه السلام ) قد أغفلها التأريخ مثل ما أغفل
أخباره ، وليس من المعقول أن تقتصر مناظراته على هذا القدر المحدود الذي نقلته
لنا كتب الكلام والسيرة ، مع ملاحظة ما كان يتمتّع به الإمام ( عليه السلام ) من مركز علمي
قيادي ، والذي كانت حلقته الدراسية تمثّل نقطة تحوّل وانطلاق ولقاء بين جميع
عناصر المذاهب الفقهية والكلامية على اختلاف نزعاتها ومنطلقاتها المتنوّعة ،
فمنها ما يتعلّق بالتوحيد والجهات التي ترجع إلى بدء الخلق ومتفرّعاتها ،
ومنها ما يتعلّق بالإمامة والخلافة ، ومنها ما يتعلّق بالصراع الدائر بين مختلف
المذاهب الإسلامية وغيرها من الملل والنحل ، ومنها ما يتعلّق بقضايا التشريع
والفقه ممّا يمسّ نقاط الاختلاف القائم بين مختلف المدارس الفقهية في ذلك العصر ،
وغيرها من قضايا الساعة والشؤون التي تتعلّق بالجوانب المتنوّعة لجهات الفكر
والمعرفة .
أمّا مناظراته ( عليه السلام ) في مجال التوحيد ، فقد نقلت كتب السيرة والكلام
بعض نماذج الحوار مع الزنادقة في عصر الإمام ( عليه السلام ) وعرض بعض مناظراته
موسوعة المصطفى والعترة ( ع ) — صفحة 105
مساهمون: حسين الشاكري
ص١٠٥