القائلين بالمسح والتخيير : وأجمعنا على أنه لا يجب الجمع بين الغسل والمسح قال : ومنشأ
الخلاف اختلاف القراءتين ، فعلى قراءة النصب يكون وجوب الغسل ظاهرا لأنها معطوفة على
الوجه واليدين ولا يضر الفصل بينهما بمسح الرأس ، وأما قراءة الجر فظاهرها يقتضي وجوب
المسح ولكن لا يمكن حملها عليه لأنه لم يرد من فعل النبي ( ص ) والصحابة بعده إلا الغسل
فيتعين . ويجاب عن الآية بأنها ليست معطوفة على الرؤوس وإنما هي مخفوضة على الجوار .
حكي هذا القول عن سيبويه والأخفش وجماعة من الفقهاء والمفسرين ، وخالفهم في ذلك
المحققون ، ورأوا أن الخفض على الجوار لا يحسن في المعطوف ، لان حرف العطف حاجز بين
الاسمين ومبطل للمجاورة ، ورأوا أن الحمل على ذلك حمل على شاذ ينبغي صون القرآن عنه
وقالوا : الخفض في الآية إنما هو بالعطف على لفظ الرؤس فقيل : الأرجل مغسولة لا ممسوحة
فأجابوا بوجهين .
أحدهما : أن المسح هنا هو الغسل . قال أبو علي : حكى لنا من لا يتهم أن أبا زيد قال :
المسح خفيف الغسل . يقال : تمسحت للصلاة ويراد به الغسل . وخصت الرجلان من بين سائر
المغسولات باسم المسح ليقتصد في صب الماء عليها إذا كانتا مظنة الاسراف .
والثاني : أن المراد هنا هو المسح على الخفين والله تعالى أعلم . وقوله : بكعبيه الباء بمعنى
مع أي مع كعبيه والمشهور دخولهما في وجوب الغسل . وروى ابن نافع لا يجب إدخالهما .
وقيل : يدخلان احتياطا قاله عبد الوهاب . والخلاف في دخولهما في الغسل كالخلاف في
دخول المرفقين ، قاله اللخمي وغيره . قال صاحب الطراز : وفرق بعض الناس فقال بدخول
الكعبين بخلاف المرفقين لان اسم الرجل لا يتناول الساق فلو لم يذكر الكعبين لم يدخلا فلا
بد لذكرهما من فائدة ، ثم رد هذا القول وقال ابن عرفة اللخمي : الكعبان كالمرفقين . عياض :
قد يفرق بأن القطع تحت الكعبين بخلاف المرفقين ثم فسر المصنف الكعبين بقوله الناتئين بمفصلي
الساقين . والناتئ المرتفع من نتأ ينتأ نتوءا وهو بالهمز ، ويجوز إبدال الهمزة ياء لوقوعها بعد الكسرة .
وهذا الذي ذكره المصنف في تفسير الكعبين هو المشهور عندنا وعند أهل اللغة . وقيل : هما
الكائنان عند معقد الشراك وعزاه اللخمي لرواية ابن القاسم وعياض لرواية أحمد بن نصر . وفي
مختصر ابن عبد الحكم أن مالكا أنكر هذه الرواية . قال ابن عرفة : زاد ابن رشد فقال : وقيل :
هما مجتمع العروق على ظهر المقدم . وذكر ابن ناجي هذا القول عن عياض عن ظاهر كتاب
الوقار ونصه : وقيل : هما المفصلان اللذان على طاهر القدم وعزاه عياض لظاهر كتاب الوقار .
مواهب الجليل — صفحة 307
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٣٠٧