مدارك نهج البلاغة ودفع الشبهات عنه مقدمة الكتاب بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد للَّه الذي عصم أولياءه من ريب الشكوك والشبهات ، ونور قلوبهم بالهدى فآمنوا بالآيات والمعجزات ، والصلاة والسلام على أشرف الكائنات وأفضل الموجودات ، وآله الأئمة البررة الهداة معادن الحكم والآداب ، وينابيع الحكمة والصواب ، ونسأله العصمة عن الزيغ في الطريقة ، والبراءة ممن يريدون إطفاء نور الحق والحقيقة ، إنه مفيض النعمة وولي العصمة ( أما بعد ) . فإن كتاب نهج البلاغة من أجل الكتب الاسلامية قدرا وأكبرها شأنا ، وأنصعها برهانا ، وأبلغها بيانا ، وأفصحها عبارة ، وأجمعها حكما ومواعظ ووصايا ونصائح وأوامر وزواجر وخطبا ورسائل ، وإن العلوم الإلهية والمباحث الكلامية والمعارف الحكمية لم تغترف إلا من بحره ، ولم تقتطف إلا من زهره ، ولم تعرف من كلام غيره ( 1 ) وقد احتذى أمثلته ونسج على منواله كل خطيب ماهر ، وبليغ واعظ ، ولكنه سبق وقصروا ، وتقدم وتأخروا ، فكم فيه من شرائف حكم ، ونفائس كلم ، وعجائب فصاحة وبلاغة ، لا تزاحمه عليها المناكب ، ولا يلحقه فيها الكادح والجاهد . ألا وإن هذا الكتاب لمما تبتهج به الشريعة المحمدية وتفتخر به الأمة الاسلامية وتتمجد به الشعوب العربية ، ولو قلت إنه أكبر الآيات على الدين الاسلامي لما قلت شططا ، ولا نطقت غلطا ، وكيف لا ، ومصدر هذه الحكم البوالغ والكلم النوابغ ، العلوم العقلية والمباحث الكلامية والآداب الحقيقية لم يدخل مكتبا ولا مدرسة ولم يتخرج من كلية ولا جامعة ، نشأ في عصر همجية وتوحش ، ودور غباوة وجهل ، فكيف ارتقى هذا المرتقى ، وتسنم هذه الذرة ، وبلغ
مستدرك نهج البلاغة — صفحة 195
مساهمون: الشيخ هادي كاشف الغطاء
ص١٩٥
هامش
( 1 ) قال ابن أبي الحديد ( ص 120 ج 2 ) إن التوحيد والعدل والمباحث الشريفة الإلهية ما عرفت الا من كلام هذا الرجل ( يعني أمير المؤمنين عليه السلام ) وإن كلام غيره من أكابر الصحابة لم يتضمن شيئا من ذلك أصلا ولا كانوا يتصورونه ولو تصوروه لذكروه وهذه الفضيلة عندي من أعظم فضائله ( عليه السلام ) .