ويبست رطوبة لسانه . فكم من مهمّ من جوابه عرفه فعيّ عن ردّه ، ودعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصامّ عنه من كبير كان يعظَّمه أو صغير كان يرحمه . وإنّ للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على قلوب أهل الدّنيا ( 1 ) . هذا الكلام هو بيت القصيد في مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام ، وعنه يقول ابن أبي الحديد « هذا موضع المثل ( هلعا يا ظليم والا فالتخوية ) من أراد ان يعظ ويخوف ، ويقرع صفاة القلب ، ويعرف الناس قدر الدنيا وتصرفها باهلها فليأت بمثل هذه الموعظة ، في مثل هذا الكلام الفصيح والا فليمسك ، فان السكوت استر ، والعيّ خير من منطق يفضح صاحبه ، ومن تأمل هذا الفصل علم صدق معاوية في قوله فيه : « واللَّه ما سن الفصاحة لقريش غيره » وينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة وتلي عليهم ان يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عدي بن الرقاع ( 2 ) ( قلم أصاب من الدواة
مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 132
مساهمون: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
ص١٣٢
هامش
( 1 ) الغمرات : الشدائد ، تستغرق بصفة اي تحيط بها الصفة ، وتعتدل : تستقيم عليها بالقبول والادراك ، كأنها تنبو عنها ولا تصدق بها .
( 2 ) هو أبو داود عدي بن زيد بن مالك بن عدي بن الرقاع العاملي نسبة إلى عاملة بنت وديعة من قضاعة ، ونسبه الناس إلى الرقاع وهو جد جده لشهرته ، شاعر مشهور من شعراء بني أمية ، خاصا بالوليد بن عبد الملك ، كان معاصرا لجرير ، مهاجيا له ، وقوله : ( قلم أصاب من الدواة مدادها ) عجز بيت صدره ( تزجي أغن كأن إبرة روقه ) من قصيدة يمدح بها الوليد بن عبد الملك ، مطلعها :عرف الديار توهما فاعتادها
من بعد ما شمل اليل ابلادهاوالبيت في وصف ظبية تسوق خشفا لها ، وتزجي : تسوق ، ويقال : ظبي اغن اي يخرج صوته من خياشيمه ، والروق : القرن ، وابرته : طرفه ، والا بلاد في المطلع : الآثار ويقال : ان الفرزدق وجريرا كانا حاضرين عند انشاده فلما بلغ إلى قوله : ( تزجي اغن كأن إبرة روقه ) شغل الوليد عن الاستماع بأمر عرض له فأمسك عدي عن الانشاد فقال الفرزدق لجرير ، ما تراه قائلا قال : أراه يستلب مثلا ، فقال الفرزدق : انه سيقول : ( قلم أصاب من الدواة مدادها ) فلما عاد الوليد للاستماع عاد عدي إلى الانشاد فكان كما قال الفرزدق ، فقال الفرزدق : واللَّه لما سمعت صدر البيت رحمته ، فلما انشد عجزه حسدته .