وسمعت عنهم آذان العقول ، وتكلَّموا من غير جهات النّطق . فقالوا كلحت الوجوه النّواضر وخوت الأجساد النّواعم . ولبسنا أهدام البلى ( 1 ) . وتكاءدنا ضيق المضجع . وتوارثنا الوحشة . وتهكَّمت علينا الرّبوع الصّموت ( 2 ) فانمحت محاسن أجسادنا ، وتنكَّرت معارف صورنا ، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا . ولم نجد من كرب فرجا ، ولا من ضيق متّسعا . فلو مثّلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك وقد ارتسخت أسماعهم بالهوامّ فاستكَّت ( 3 ) ، واكتحلت أبصارهم بالتّراب فخسفت ، وتقطَّعت الألسنة في أفواههم بعد ذلاقتها ، وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها . وعاث في كلّ جارحة منهم جديد بلى سمّجها ( 4 ) ، وسهّل طرق الآفة إليها ، مستسلمات فلا أيد تدفع ،
هامش
( 1 ) كلحت : كثرت في عبوس ، وخوت : خلت من الروح أو المراد خوت تهدمت والنواعم : النواضر ، والأهدام جمع هدم وهو الثوب البالي .
( 2 ) تكأدنا : شق علينا ، وتهكمت : تهدمت ، والربوع الصموت : القبور .
( 3 ) ارتسخت من رسخ الغدير إذا نش ماؤه ونضب ، فكأن مادة السمع قد نضبت لأكل الهوام آلتها .
( 4 ) عاث : افسد ، وسمجها : قبح صورتها .