والمجلوّ به غربيب العمى ( 1 ) . أيّها النّاس إنّ الدّنيا تغرّ المؤمّل لها والمخلد إليها ، ولا تنفس بمن نافس فيها ، وتغلب من غلب عليها . وأيم الله ما كان قوم قطَّ في غضّ نعمة من عيش فزال عنهم إلَّا بذنوب اجترحوها ( 2 ) ، لأنّ الله ليس بظلَّام للعبيد . ولو أنّ النّاس حين تنزل بهم النّقم وتزول عنهم النّعم فزعوا إلى ربّهم بصدق من نيّاتهم ووله من قلوبهم لردّ عليهم كلّ شارد ( 3 ) ، وأصلح لهم كلّ فاسد . وإنّي لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة ( 4 ) . وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كنتم فيها عندي غير محمودين ، ولئن ردّ عليكم أمركم إنّكم لسعداء . وما عليّ إلَّا الجهد ، ولو أشاء أن أقول لقلت * ( عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ ) * .
هامش
( 1 ) الغربيب : الأسود شديد السواد . الاخلاد الركون ، ولا تنفس : لا تعن بمعنى تحرص ، ونافس فيها : أعدها من النفائس .
( 2 ) غض العيش : نضارته واجترحوها : اكتسبوها .
( 3 ) الوله : الحيرة عند الخوف والوجد ، والشارد : الذاهب
( 4 ) في فترة : أي في جاهلية لغلبة الضلال والجهل .