رؤساء الشيعة على أن يضعوا عليه من يبكَّته ( 1 ) ، ويسأله تحت منبره ويخجله ويفضحه بين الناس في المجلس ، وهذه عادة الوعاظ يقوم إليهم قوم فيسألونهم مسائل يتكلفون الجواب عنها ، وسألوا عمن ينتدب لهذا ، فأشير عليهم بشخص كان ببغداد يعرف بأحمد بن عبد العزيز الكزّي ، كان له لسن ، ويشتغل بشيء يسير من كلام المعتزلة ، ويتشيّع وعنده قحّة وقد شدا طرفا ( 2 ) من الأدب - وقد رأيت أنا هذا الشخص في آخر عمره وهو يومئذ شيخ ، والناس يختلفون إليه في تعبير الرؤيا - فأحضروه ، وطلبوا إليه أن يعتمد ذلك فأجابهم ، وجلس ذلك الواعظ في يومه الذي جرت فيه عادته في الجلوس فيه واجتمع الناس عنده على طبقاتهم ، حتى امتلأت الدنيا بهم ، وتكلم على عادته فأطال ، فلما مرّ في ذكر صفات الباري سبحانه في أثناء الوعظ ، قام إليه الكزّي فسأله أسئلة عقلية على منهاج كلام المتكلمين من المعتزلة ، فلم يكن للواعظ عنها جواب نظري ، وإنّما دفعه بالخطابة والجدل ، وسجع الألفاظ ، وتردد الكلام بينهما طويلا ، وقال الواعظ في آخر الكلام : أعين المعتزلة حول ، وأصواتي في مسامعهم طبول ، وكلامي في أفئدتهم نصول ، يا من بالاعتزال يصول ، ويحك كم تحوم وتجول حول من لا تدركه العقول ، كم أقول كم أقول ، خلوا هذا الفضول ، فارتج المجلس وصرخ الناس ، وعلت الأصوات ، وطاب الواعظ وطرب ، وخرج من هذا الفصل إلى غيره فشطح شطحة الصوفية ، وقال : سلوني قبل أن تفقدوني . وكررها ، فقام إليه الكزّي فقال : يا سيدي ما سمعنا أنه قال هذه الكلمة إلا علي بن أبي طالب عليه السّلام ، وتمام الخبر معلوم ، وأراد الكزي بتمام الخبر قوله عليه السّلام : « لا يقولها بعدي إلا مدّع » فقال الواعظ وهو في نشوة طربه ، وأراد إظهار فضله ومعرفته برجال الحديث والرواة : من علي بن أبي طالب أهو علي بن أبي طالب بن المبارك النيسابوري أم علي بن أبي طالب بن
مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 176
مساهمون: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
ص١٧٦
هامش
( 1 ) بكته بالحجة تبكيتا : غلبه .
( 2 ) أي أخذ بطرف منه .