خطبة من جيد خطب ابن نباتة في الجهاد ستطلع على بعضها فيما يأتي وقال عند فراغه من ذكرها : هذا آخر خطبة ابن نباتة فأنظر إليها وإلى خطبته عليه السلام بعين الإنصاف تجده بالنسبة إليها كمخنث بالنسبة إلى فحل أو كسيف من رصاص بالإضافة إلى سيف من حديد ، وأنظر ما عليها من أثر التوليد ، وشين التكلَّف ، وفجاجة كثير من الألفاظ ، ألا ترى إلى فجاجة قوله : « كأن أسماعكم تمجّ ودائع الوعظ ، وكأن قلوبكم بها استكبارا عن الحفظ » وكذلك ليس يخفى نزول قوله : « تندّون من عدوكم نديد الإبل ، وتدرعون له مدارع العجز والفشل » وفيها كثير من هذا الجنس إذا تأمله الخبير عرفه ، ومع ذلك فهي مسروقة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، ألا ترى أنّ قوله عليه السلام : « أمّا بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة » قد سرقه ابن نباتة فقال : « فإنّ الجهاد أثبت قواعد الإيمان ، وأوسع أبواب الرضوان ، وأرفع درجات الجنان » ، وهكذا أخذ ابن أبي الحديد يبين ما أخذه ابن نباتة من معاني كلام أمير المؤمنين الجميلة العالية ، وأخرجها في ثياب رثاث من الألفاظ المتكلفة الفجة ، ثم قال : وأعلم أني أضرب لك مثلا تتخذه دستورا في كلام أمير المؤمنين عليه السلام وكلام الكتاب والخطباء بعده كابن نباتة والصابيء وغيرهما ، أنظر نسبة شعر أبي تمام والبحتري ، وأبي نواس ومسلم إلى شعر امريء القيس والنابغة ، وزهير والأعشى ، هل إذا تأملت أشعار هؤلاء وهؤلاء تجد نفسك حاكمة بتساوي القبيلين أو بتفضيل أبي نواس وأصحابه عليهم لا أظن أن ذلك مما تقوله أنت ، ولا قاله غيرك ، ولا يقوله إلا من لا يعرف علم البيان ، وماهية الفصاحة ، وكنه البلاغة ، وفضيلة
مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 416
مساهمون: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
ص٤١٦