كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر . قال : فقام إليه الأحنف بن قيس فقال له : يا أمير المؤمنين متى يكون ذلك فقال عليه السلام : يا أبا بحر انك لن تدرك ذلك الزمان ، ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عنكم لكي يبلغوا إخوانهم إذا رأوا البصرة قد تحولت اختصاصها دورا ، وآجامها قصورا فالهرب الهرب فإنه لا بصرة لكم يومئذ - إلى أن قال - والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو أشاء لأخبرتكم بخراب العرصات عرصة عرصة متى تخرب ، ومتى تعمر بعد خرابها إلى يوم القيامة ، وإن عندي من ذلك لعلما جما ، وإن تسألوني تجدوني به عالما ، ولقد استودعت علم القرون الأولى ، وما هو كائن إلى يوم القيامة . ومنها : يا أهل البصرة أنتم أقوم الناس قبلة ، قبلتكم على المقام حيث يقوم الامام ، وقارئكم أقرأ الناس ، وزاهدكم أزهد الناس ، وعابدكم أعبد الناس ، وتاجركم أتجر الناس وأصدقهم في تجارته ، ومتصدقكم أكرم الناس صدقة ، وغنيكم أكثر الناس بذلا وتواضعا ، وشريفكم أحسن الناس خلقا ، وأنتم أكرم الناس جوارا ، وأقلهم تكلفا لما لا يعنيه ، وأحرصهم على الصلاة في جماعة ( 1 ) ، ثمرتكم أحسن الثمار ، وأموالكم أكثر الأموال ، وصغاركم أكيس الأولاد ، ونساؤكم أقنع النساء وأحسنهن تبعلا ، سخر لكم الماء يغدوا عليكم ويروح صلاحا لمعاشكم ، والبحر سببا لكثرة أموالكم ، فلو صبرتم واستقمتم لكانت لكم شجرة طوبى مقيلا ، وظلا ضليلا ، غير أن حكم الله فيكم ماض ، وقضاءه نافذ ، لا
مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 364
مساهمون: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
ص٣٦٤
هامش
( 1 ) لا تزال هذه الحالة الحسنة فيهم فتراهم على اختلاف مذاهبهم أحرص على الصلاة في جماعة من غيرهم في سائر البلاد .