أنشأ الخلق إنشاء . وابتدأه ابتداء ، بلا رويّة أجالها ( 1 ) ، ولا تجربة استفادها ، ولا حركة أحدثها ، ولا همامة نفس ( 2 ) اضطرب فيها . أحال الأشياء لأوقاتها ، ولأم بين مختلفاتها ، وغرّز غرائزها ( 3 ) ، وألزمها أشباحهها ( 4 ) ، عالما بها قبل ابتدائها ، محيطا بحدودها وانتهائها ، عارفا بقرائنها وأحنائها ( 5 ) . ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء ( 6 ) ، وشقّ الأرجاء ، وسكائك الهواء ( 7 ) ، فأجرى فيها ماء متلاطما تيّاره ( 8 ) ، متراكما زخّاره ، حمله على متن الرّيح العاصفة ، والزّعزع القاصفة ( 9 ) ، فأمرها بردّه ، وسلَّطها على
هامش
( 1 ) الروية : الفكر ، وأجالها : أدارها .
( 2 ) همامة النفس - بفتح الهاء - اهتمامها بالأمر ، وقصدها إليه .
( 3 ) أحالها : حولها من العدم إلى الوجود لأوقاتها . ولئم : قرن . والغرائز جمع غريزة وهي الطبيعة ، وغرز الغرائز أودع فيها طبائعها .
( 4 ) الضمير في أشباحها : للغرائز ، أي الزم الغرائز أشباحها أي أشخاصها .
( 5 ) الاحناء جمع حنو - بالكسر - : أي الجانب كناية عما خفي .
( 6 ) الأجواء جمع جو : وهو الفضاء بين الأرض والسماء .
( 7 ) السكائك جمع سكاكة - بالضم - وهو الهواء الملاقي عنان السماء .
( 8 ) التيار : الموج ، والزخار : الشديد الزخر أي الامتداد والارتفاع .
( 9 ) الريح العاصفة : الشديدة الهبوب ، وكذلك الزعزع كأنها تزعزع كل شيء والقاصفة : المحطمة .