يكتب إلى بعض خواصه في شيء معين لا يقتضي التطويل » ( 1 ) . وعبد الحميد الكاتب لتأثره ببلاغة أمير المؤمنين عليه السّلام تراه يوجز مرة غاية الإيجاز ، ويطنب أخرى إذا اقتضت الحال غاية الإطناب . فمن إيجازه : إن بعض عمال مروان أهدى اليه عبدا أسودا ، فأمره الإجابة مختصرا ، فكتب : لو وجدت لونا شرّا من السواد وعددا أقل من الواحد لأهديته . ومن إسهابه : إنّه لما ظهر أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس كتب إليه مروان يستميله ويضمنه ما لو قرئ لأوقع الاختلاف بين أصحاب أبي مسلم ، وكان من كبر حجمه يحمل على جمل ، ثم قال لمروان : قد كتبت كتابا متى قرأه بطل تدبيره ، فإن يك ذلك وإلا فالهلاك ، فلما ورد الكتاب على أبي مسلم لم يقرأه ، وأمر بنار فأحرقه وكتب على حزازة منه إلى مروان :
ويقال : إن أوّل الكتاب كان : لو أراد الله بالنملة صلاحا لما خلق لها جناحا . ولقد شهد الجاحظ بخطب أمير المؤمنين الطوال بقوله : « لم يكن عمر من أهل الخطب الطوال ، وكان كلامه قصيرا ، وإنما صاحب الخطب الطوال علي ابن أبي طالب » ( 2 ) . ولسنا - بعد ذلك - بحاجة إلى أن نسهب في القول هنا ، ونستكثر من الأدلة على كون الإيجاز والإطناب لا يختص بواحد منهما قوم دون قوم ولا ينحصر أحدهما بحصر دون آخر .