وقد ظنّ أنّ الدهر أسعفه بمراده ، ومالأه على إدراك مبتغاه ، وأنّ آماله وأمانيّه عادت بيض الوجوه . لكنّ المسكين « لبنان ولا سيّما الجنوب منه » زعم في غير مزعم ، وكدم في غير مكدم ، ورمى بآماله غير مرمى ، إذ كانت أحوال حول الوزارات ، وما إليها من سياسات ، وأطماع تستخفّ الحليم عن رأيه ، وتستنزل الحكيم عن رشده ، وكم زيّنت - حاشاك - من محال ، وموّهت من ضلال ، وكم دلّت بغرور تلبس الحقّ بالباطل . فكان ما كان ممّا لست أذكره .
وحسبنا الآن نكبة جبل عامل في حدوده الفلسطينيّة ، وهي أفظع نكبات هذه المنطقة التي سخّرها لبنان يستغلّها ويستعبدها ، ثمّ لا يأبه حتّى بدمائها المسفوكة ، وحرماتها المهتوكة ، وأمو الها وقد صيح فيها نهبا ، وأطفالها وقد ماتت رعبا ، إلى هلاك حرثها ونسلها ، وإبادة المدلّهين والمدلّهات من أهلها ، وقد استمرّ بهم القتل الذريع ، وحاق بهم كلّ أمر فظيع ، وللّه عاطفة القائل :
لهفي على صلحتها وليتني * عليك يا حولة أقضي أسفا
شبابك الفوّاح زهرا فتّقت * أكمامه الدهر بهم قد عصفا
كم لدن غضّ ذوت نضرته * أشبعه ماء الشباب هيفا
إلى أن قال :
لولا الإبا لقلت غير جانف * سقى عهاد المزن عهدا سلفا
القصيدة .
لكم عندكم فيما لا قبل لكم به من منع هؤلاء الذين اقتطعوا بلادكم ، كما قال :
تقطّع البلاد من أطرافها * وعن قريب غير مبق طرفا
أجل ، جاسوا خلال دياركم محتلّين أطرافها ، متصرّفين فيها تصرّف الفاتح عنوة يثأر لنفسه ، ولمن قتل من جيشه ، ولا وازع له عن اصطفاء الأموال ، وقتل الرجال ، وأسر من شاء من النساء ، وتدمير ما شاء من القرى .