في معسلة من الكذاب ، ومشربة من السراب ، فإذا بتلك الوعود هراء ، وتلك العهود هباء ، وإذا بهم يعانون على يد حلفائهم من الإحن ما يعاني المفاجأ بقلب ظهر المجن ، وقد خبّأ الدهر له عجبا .
ولم يكن أشرس المخبّآت ضروب العدوان ، ولا أمضّها ألوان الهوان ودع عنك تقطيع البلاد دويلات أشتاتا ، وتمزيق الأديان طوائف أندادا ، وتفريق الصفوف طرائق آحادا .
وهذه سوريّة مختزلة التخوم ، مجتزأة الأطراف ، وقد بيع لواء الإسكندرونة ومقاطعة عموريّتها ، حتّى إذا ثارت حفيظة رجالاتها رموهم بالعصيان ، وأخمدوا ثائرتهم بنار الطغيان .
بيد أنّ العربي مرهف الحسّ ، كبير النفس ، تتّقد وطنيّته فلا تطفأ ، وتثور حميّته فلا تهدأ ، وهو اليوم وقد عركت الحرب الحاضرة عينيه ، يتحرّك لاستنجاح قضيّته على صهوات العراب ، وأسلات الجهاد المستطاب .
ولكن حلفاء اليوم غير حلفاء الأمس ، وإذا كانوا أمس قد استخفّوا بصداقة العرب ، فإنّهم اليوم يسعون إلى كسب ودّهم على طريق الوفاء بعهدهم ، وهذا رئيس وزراء بريطانيا ، ووزير خارجيّتها يبرمان وعد الحلفاء بالدفاع عن الشعوب المتطلّعة إلى الاستقلال ، ومؤازرتها في العمل على تقرير مصائرها . وإنّ الشعب العاملي - وهو سهم في كنانة العرب ، وسيف في قرابهم - يدلي بدلوه مع دلائهم بمطالبه المصيريّة التالية :
أوّلا : الاستقلال التامّ الناجز لسوريّة بحدودها الطبيعيّة التي عرفت بها في مختلف حقب التأريخ ، والتي كانت عليها قبل الحرب العالميّة الماضية .
ثانيا : أنّ سوريّة بحدودها هذه وحدة لا تتجزّأ ، وإعادة أجزائها المقتطعة - التي كانت تعرف ببرّ الشام في العهد التركي وما قبله - شرط حياتي لا نتنازل عنه .
ثالثا : أنّ الدولة العربيّة السوريّة ترى نفسها - بحكم العوامل الجغرافيّة ، والتأريخيّة ،
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 487
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٤٨٧