مكّة المعظّمة ، وهي مسقط رأسك ، وفيها عروش آبائك ، حقنا لدماء المسلمين ، واحتياطا على البلد الأمين ، كما فعله الحسين بن عليّ الأوّل .
حيث انجلى عن مكّة وهو ابنها * وبه تشرّفت الحطيم وزمزم
لم يدر أين ينيخ بدن ركابه * فكأ نّما المأوى عليه محرّم
فشكر اللّه لكما ذلك ورسوله والمؤمنون ، وقدّره لكما أولو الألباب .
لكنّ عدوّ اللّه وعدوّكم ( النجدي ) أصرّ على غيّه ، ومضى في التهجّم على مشاعر اللّه على غلوائه ، وقد طبع اللّه على بصيرته ، وختم على قلبه ، وضرب على سمعه ، ونزع الرحمة من فؤاده ، فأوجس خلفك الأغرّ الأبرّ خيفة على مشاعر اللّه وحرماته أن يمسّها الغاشم الظلوم بسوء ، فتركها له متحرّفا لقتال ومتحيّزا إلى جدّه ، فاحتلّ حرم اللّه أشقى ثمود ، وعاث فيه بما أوحى إليه مشربه الوحشي ومذهبه النجدي ، ونال ما نال من المشاعر المنيفة ، والشعائر الشريفة ، والآثار المقدّسة ، والأجداث الطاهرة ، واتّخذ المسجد الحرام مبالا للطغام من أعوانه ومقوّية سلطانه :
فيا سماء لهذا الحادث انفطري * فما القيامة أدهى للورى شأنا
وعليّ بن الحسين الطاهر ابن الطاهرين مضطلع بالشدائد ، مقرن لخطوب الدهر ، جلد على مضّ النوازل ، وقد انتقضت عليه العرب من أطرافها ، كما فعلت بالأمس مع آبائه الطاهرين ، والقوم أبناء القوم ، وما يومكم منهم بواحد .
وأنت - أعزّ اللّه جانبك - مقبل على لمّ هذا الشعث بانبساطك ، مسترسل إلى رتق هذا الفتق بانسك ، تتلقّى فيه بذل الصفايا من أمو الك بسعة ذرعك ، وشهامة طبعك - وقد ورد عليك بورودك العقبة من هذا الأمر ما استأنف نشاطك وجلا عنك صدى الفتور ، فقمت تمدّ مقاما كريما ، تمدّ شبلك بالمال والرجال والآراء والهمم والعزائم ، حتّى أبدى لك الماكرون صفحة الغدر ، وكاشفوك بما كانوا يدسّونه لك من غدرهم في الملق ، فبعين اللّه تسييرك إلى قبرص ، وإنزالك في جناب غير ممطر وواد غير ذي زرع ،