الصراط المستقيم ، فذكرى أولئك الأعلام خالدة بخلود آثارهم الشريفة إلى يوم يبعثون .
كانوا - شكر اللّه جهودهم - لا يتعظّمهم أمر في سبيل ما يبتغون من الخير لأنفسهم ولامّتهم ، فإذا تعذّر أو تعاصى عليهم ذلك في بلادهم هجروها في سبيل ما يبتغون ، وارتحلوا إلى غيرها ، وهم على جمام من أنفسهم ونشاط من عزائمهم ، كما فعله شيخنا البهائي ، والمحقّق الكركي ، وشيخ الأحرار الأبرار والفقيه الوحيد الشيخ عليّ بن الشيخ محمّد الحفيد ، وجدّنا السيّد عليّ نور الدين الموسوي - أخو صاحب المدارك - وأولاده الأعلام الخمسة ، وحفيده السيّد صالح ابن السيّد محمّد بن السيّد شرفالدين ، وكثير من أعلام الهدى ومصابيح الدجى ، أمثالهم ذلّلوا العقاب ، وروّضوا الصعاب بهجرتهم ، اضطلاعا بالأعباء من مهمّات الدين ، قصدا إلى خطيرات الأمور من شؤون المؤمنين .
ولمّا علم اللّه تعالى منهم الإخلاص في هجرتهم إلى دار الغربة ، وبعدهم عن الأهل والأحبّة ، آواهم من عزّته وقوّته إلى ركن منيع ، وأحلّهم من فضله ونعمته في جناب مريع ، عاقدا بالفوز آمالهم ، مذيّلا بالنجح مسعاهم .
وحين ارتفعت منازلهم ، ووقّرت مهابتهم ، أوسعوا مهاجرهم علما وهديا ، وطبّقوها استقامة وكرامة ، على أنّ بعضهم إنّما هاجر إلى دار التقيّة ، والخوف من الهلكة ، ومع ذلك فقد عادت هجرته على الطائفة بنفع جزيل ، وفوائد عظيمة ، كما فعله السيّد عليّ نور الدين الموسوي ؛ إذ هاجر أوّلا إلى دمشق فأحيا فيها روح الهدى ، وكانت قد بلغت التراقي ، وأفاض من سائغ العلوم ما أثلج به غلل أهل الحقّ ، ونشر من أدلّة الشريعة ما شدّ به قلوب الشيعة .
ثمّ ارتحل سنة ( 1040 ) إلى مكّة المعظّمة - أعزّها اللّه تعالى - مهاجرا إلى اللّه سبحانه ومجاورا بيته الحرام ثمانيا وعشرين سنة ، فكان له فيها جاه ومنزلة أنفقهما في خدمة الدين والمذهب بالرغم من ظلم ذلك العصر وظلماته المتراكمة .
وكم له في سبيل الدعوة إلى الحقّ مواقف تطيش بها حلوم الرجال ، وترجف من
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 408
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٤٠٨