شرح
ومن هنا كان إثبات حرمة الوسواس في غاية الاشكال . بل هو لا يناسب
مرتكزات المتشرعة ، لنظرهم إلى الوسواسي نظر العطف والرحمة كنظرهم
للمريض المبتلى ، لا نظر المقت والاستنكار كنظرهم للعصاة بجوارحهم أو
جوانحهم .
نعم ، لا إشكال في رجحان مقاومته إرغاما للشيطان الخبيث وحذرا مما قد
يستلزمه من ضيق الصدر وضياع الوقت الذي قد يستلزم التفريط ببعض المهمات
الدينية والدنيوية ، بل قد يؤدي إلى ترك بعض الواجبات . بل لا ريب في كونه نقصا
منافيا لكمال الانسان وقوة نفسه . نسأله سبحانه أن يعيذنا وجميع المؤمنين منه
بمنه وكرمه إنه أرحم الراحمين .
وأما الثاني : فالحرمة إنما تقتضي بطلان العمل العبادي مع الالتفات إليها
كبرى وصغرى ، بأن يعلم المكلف أن عمله ناشئ عن الوسواس وتتنجز حرمته
عليه .
مع أنها إنما تقتضي بطلان الجزء الصادر عن الوسواس ، لا تمام العمل إلا إذا
أوجب خللا فيه ، كزيادة مبطلة بأن زاد سجدة في الصلاة ، أو ذكرا جازما بجزئيته ،
أو نقص الجزء فيما لو فرض الحاجة له واقعا لعدم الاتيان به ، إلا أن المكلف أتى به
للوسواس ، فإن بطلانه مستلزم لنقص العمل وبطلانه .
نعم ، لا يتنجز ذلك على المكلف حين العمل ، لامتناع فرض الوسواس مع
ظهور الحاجة إلى الجزء ، وإنما يمكن اطلاع المكلف عليه بعد ذلك .
ثم إن هذا يأتي أيضا في تكرار العمل بتمامه ، للوسواس ، فإن فرض حرمة
الوسواس وبطلان العمل لأجله مستلزم لعدم إجزائه حتى لو فرض الحاجة إليه
واقعا ، ولو لخلل مغفول عنه في العمل المأتي به أولا . فلاحظ . والله سبحانه وتعالى
العالم العاصم . ومنه نستمد العون والتسديد ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . وله الحمد
وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله الطاهرين من أعلام الحق
وسادات الخلق .