شرح
كان الماء ، قاهرا ولا توجد منه الريح فتوضأ " ( 1 ) ، لوضوح أنه مع زوال التغير بعد
حدوثه لا يصدق أن النتن غالب على الماء ، كما أنه يصدق أنه لا توجد منه الريح ،
فيتعين سقوط الاطلاقين ، أو الجمع بينهما بحملهما على بيان سببية التغير
لحدوث التنجيس من دون نظر إلى بقائه .
وبالجملة : تحصيل الاطلاق المعتد به المقتضي لبقاء النجاسة بعد ارتفاع
التغير لا يخلو عن إشكال ، بل الظاهر ورودها لبيان سببية التغير لحدوث النجاسة
من دون نظر لأمدها . ومن ثم لا يرى العرف منافاة الأدلة المذكورة لما دل على
تطهير الماء المذكور بملاقاته للمادة ونحوها .
وأما أدلة انفعال الملاقي فظهورها في بقاء النجاسة بعد الملاقاة لقرائن
خاصة بها ، مثل الأمر باهراق الماء والزيت ونحوهما الظاهر في عدم الانتفاع بها
والأمر بغسل الثوب الظاهر في احتياجه للتطهير وعدم طهارته بمجرد زوال
الملاقاة ، ونحو ذلك مما لا يناسب الطهارة بمجرد ارتفاع الملاقاة .
وإلا فهي أيضا لا إطلاق لها في بيان أمد النجاسة بالملاقاة ، ولذا لا تكون
الأدلة الشارحة للتطهير منافية لإطلاقها عرفا ، بل هي نظير أدلة بطلان النكاح
بالرضاع والطلاق مع أدلة تحققه بأسبابه ، حيث لا نظر في الثانية إلا لأصل حدوث
النكاح ، وليس بقاؤه إلا لأن من شأنه البقاء لولا الرافع ، لا من جهة ظهور الأدلة
المذكورة في استمراره ، لتنافي أدلة البطلان .
نعم ، قد يستدل على بقاء النجاسة مع قلة الماء بأن التنجس فيه ليس بالتغير
حقيقة ، بل بالملاقاة ، لأنها أسبق منه رتبة وزمانا ، وليس التغير إلا مؤكدا للتنجيس ،
وحيث لا إشكال في بقاء نجاسة القليل غير المتغير ، وعدم ارتفاعها إلا باتصاله
بالعاصم ، فالمتغير أولى بذلك ، ولا وجه لزوال نجاسته بزوال التغير . ولعله لأجل
ذلك سبق نقل الاجماع على بقاء النجاسة في القليل .
وعمدة الإشكال إنما هو في الكثير الذي يكون التغير هو الموجب لنجاسته
هامش
( 1 ) الوسائل باب : 3 من أبواب الماء المطلق حديث : 11 .