الاكراه عرفا ، بداهة أن الأصحاب ( 1 ) - وفاقا للشيخ في المبسوط ( 2 ) - جعلوا
من شروط تحقق الاكراه علم المكره أو ظنه بوقوعه في الضرر المتوعد به
مع الامتناع عن ايجاد المكره عليه .
ومن البين أنه لا شبهة في وجود الملازمة بين امتناع المكره - بالفتح -
عن الفعل المكره عليه ، وبين وقوعه في الضرر الذي هو المعتبر في
صدق الاكراه مع التمكن من التورية ، كما لا شبهة في انتفاء هذه الملازمة
مع التمكن من غيرها ، وإذن فموضوع الاكراه متحقق في الأول فيلحقه
حكمه دون الثاني مع أن العجز عنها لو كان معتبرا لأشير إليها في قضية
عمار وأبويه ( 3 ) .
ولكن يتوجه على ذلك أنه لم يتضح لنا الفارق بين امكان التفصي
بالتورية وغيرها ، فكما لا يتحقق مفهوم الاكراه في الثاني كذلك لا يتحقق
مفهومه في الأول أيضا .
ومن هنا لو أكره أحد على شرب الخمر مع تمكنه من هراقته على جيبه
حرم عليه شربها جزما ، وقد تقدم أن التورية كما تجري في الأقوال
تجري في الأفعال أيضا ، وكذا لو أكره الجائر أحدا على ارتكاب محرم أو
هامش
1 - كالمحقق في الشرايع 3 : 13 ، والعلامة في التحرير 2 : 51 ، والشهيد الثاني في الروضة
6 : 20 ، والسبزواري في في الكفاية : 198 .
2 - المبسوط 5 : 51 .
3 - قصة عمار على ما رواها المفسرون في شأن نزول قوله تعالى : إلا من أكره وقلبه
مطمئن بالايمان - النحل : 106 - أن قريشا أكرهوه وأبويه ياسر وسمية على الارتداد ، فأبى
أبواه فقتلوهما ، وهما أول شهيدين في الاسلام ، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها ، فقيل :
يا رسول الله إن عمارا كفر ، فقال : كلا إن عمارا ملئ ايمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الايمان
بلحمه ودمه ، فأتى عمار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو يبكي ، فجعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) يمسح عينيه ، وقال :
ما لك ، إن عادوا لك فعدهم بما قلت .