ثم إن المراد من الاختيار الذي نبحث عن اعتباره في العقد هنا هو
صدور الفعل من العاقد عن الرضاء وطيب النفس مقابل الكراهة وعدم
الرضاء ، لا الاختيار مقابل الجبر والالجاء ، وإلا لكان عقد المكره خارجا
عن العقد موضوعا لخلوه عن القصد المعتبر في حقيقة العقد .
ثم إنه قد جرت عادة الفقهاء على البحث عن عقد المكره في كتاب
الطلاق ، ولعله لورود الروايات الكثيرة على بطلان طلاق المكره ، وإلا
فلا اختصاص لذلك بالطلاق .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه اتفق الأصحاب على بطلان عقد المكره ، أما
عند العامة فلا يصح بيع المكره ( 1 ) ولا طلاقه ( 2 ) ، على تفصيل في المذاهب .
هامش
1 - الحنابلة قالوا : يشترط في البيع أن يكون العاقدان مختارين ظاهرا وباطنا ، فإذا كانا
مختارين في الظاهر فقط كأن اتفقا على بيع عين لأحدهما فرارا من ظالم يريد اغتصابها ، فإن
هذا البيع يقع باطلا ولا ينعقد ، لأنهما وإن تعاقدا باختيارهما ظاهرا ولكنهما في الباطن
لا يريدان هذا البيع ويسمي بيع التلجئة والأمان ، أما إذا باع شيئا فرارا من ظالم ونحوه من غير أن يتفق مع المشتري على أن هذا بيع تلجئة وأمانة فإن البيع يقع صحيحا ، لأنه صدر من غير
اكراه في هذه الحالة .
الحنفية قالوا : إن كل عقد يكره عليه الشخص ينعقد ، لأن القاعدة عندهم في المكره أن كل
ما يكره على النطق به ينعقد ، فإذا أكرهه ظالم على بيع ملكه فإن البيع ينعقد فاسدا ويملكه
المشتري ملكا فاسدا وللمكره أن يجيز البيع بعد زوال اكراهه ، وله أن يسترد العين حيث
وجدها .
الشافعية قالوا : بيع المكره لا ينعقد رأسا إلا إذا قصد ايقاع العقد ونواه حال الاكراه ، فإنه في
هذه الحالة لا يكون مكرها .
المالكية قالوا : الاكراه الذي يمنع نفاذ البيع هو الاكراه بغير حق - فقه المذاهب 2 : 161 .
2 - الحنفية قالوا : طلاق المكره يقع خلافا للأئمة الثلاثة ، فلو أكره شخص آخر على تطليق
زوجته بالضرب أو السجن أو أخذ المال وقع طلاقه .
المالكية قالوا : لا يقع الطلاق على المكره . . . حتى لو أكره أن يطلق طلقة واحدة فأوقع أكثر
فإنه لا يلزمه شئ ، لأن المكره لا يملك نفسه كالمجنون .
الشافعية قالوا : طلاق المكره لا يقع بشروط :
أحدها : أن يهدده بالايذاء شخص قادر على تنفيذ ما هدده به عاجلا .
ثانيها : أن يعجز المكره عن دفعه بهرب أو استغاثة بمن يقدر على دفع الايذاء عنه .
ثالثها : أن يظن المكره أنه إن امتنع عن الطلاق يلحقه الايذاء الذي هددوه به .
رابعها : أن يكون الاكراه بحق ، فإذا أكره على الطلاق بحق فإنه يقع .
خامسها : أن لا يظهر من المكره نوع اختيار ، كما إذا أكره على أن يطلقها ثلاثا فطلق واحدة .
سادسها : أن لا ينوي الطلاق فإن نواه في قلبه وقع ، أما التورية فإنها غير لازمة .
الحنابلة قالوا : طلاق المكره لا يقع بشروط :
أحدها : أن يكون بغير حق .
ثانيها : أن يكون الاكراه بما يؤلم .
ثالثها : أن يكون المهدد قادرا على فعل ما هدد به .
رابعها : أن يغلب على ظن المكره أنه إن لم يطلق يقع به الايذاء .
خامسها : أن يكون عاجزا عن دفعه وعن الهرب منه - فقه المذاهب 4 : 284 .