تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصباح الفقاهة تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
ذكر الإمام ( عليه السلام ) أنه ينقسم إلى قسمين وبين أن قسما منه محلل ، كالمقاولة على متاع ليس عند البائع ، وقسم منه محرم كايجاب البيع عليه ، وإذن فالانشاء الفعلي خارج عن حدود الرواية موضوعا . وأما ما ذكره من أن وجه انحصار ايجاب البيع في الكلام - الخ ، فيتوجه عليه : أولا : إنا لا نسلم عدم امكان المعاطاة في مورد الرواية ، بديهة أن الظاهر منها وجود المتاع عند الدلال ، ولذا أشار إليه الرجل بكلمة : هذا ، وقال لصاحبه : اشتر هذا الثوب أربحك كذا ، ولا أقل من الاحتمال ، ومعه لا يتم الاستدلال . ثانيا : إنا لو سلمنا غياب المتاع في مورد الرواية عن المتعاملين ، ولكنا لا نسلم اختصاص المعاطاة بالتعاطي من الطرفين ، ضرورة أن المعاطاة كما تتحقق بالتعاطي من الطرفين كذلك تتحقق بالاعطاء من جانب والأخذ من جانب آخر ، وسيأتي ذلك في تنبيهات المعاطاة ، ولعل المصنف قد أشار إلى هذين الاشكالين أو إلى أحدهما بالأمر بالتأمل . والمتحصل من جميع ما ذكرناه أنه لا دلالة في رواية ابن نجيح على اعتبار اللفظ في صحة البيع أو لزومه ، لكي تدل على فساد المعاطاة أو على عدم لزومه ، على أن هذه الرواية التي بين يدينا مجهولة فلا يمكن الاستدلال بها على الحكم الشرعي ( 1 ) .
هامش
1 - قد استدل على اعتبار اللفظ في صحة البيع بوجوه شتى غير رواية ابن نجيح : 1 - ما عن أبي هريرة أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) نهي عن بيعتين : الملامسة والمنابذة - الحديث ، ( سنن البيهقي 5 : 341 ) . وعنه أيضا أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) نهي عن بيع الغرر وعن بيع الحصاة ( سنن البيهقي 5 : 342 ) . ووجه الاستدلال بذلك على المقصود ، أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) إنما نهي عن انشاء البيع باللمس والنبذ والقاء الحصاة لانتفاء اللفظ فيها ، ومن الواضح أن المعاطاة فاقدة له فتكون مشمولة للنبويين المزبورين ولو بتنقيح المناط . والجواب عن ذلك : أولا : إنهما ضعيفا السند وغير منجبرين بشئ . ثانيا : إن النهي عن البيوع المذكورة من ناحية الجهالة والغرر ، فلا ربط له بالمعاطاة ، إذ المفروض أنها واجدة لجميع الشرائط إلا اللفظ . ثالثا : إن بطلان انشاء البيع باللمس والنبذ والقاء الحصاة لا يستلزم بطلان انشائه بغيرها من الأفعال لامكان أن يكون النهي عن انشاء البيع بها من ناحية نكتة خاصة لا نعلمها . وعليه فلا يمكن قياس المعاطاة بها ، وإذن فتكون المعاطاة مشمولة للعمومات الدالة على صحة المعاملات . 2 - قيام الاجماع على اعتبار اللفظ في صحة البيع ، والمعاطاة فاقدة له فتكون فاسدة . ويرد عليه أن الاجماع المحصل غير حاصل والاجماع المنقول ليس بحجة ، وعليه فلا يمكن تخصيص العمومات الدالة على صحة العقود ولزومها بذلك . 3 - الأخبار الكثيرة الظاهرة في اعتبار اللفظ في صحة البيع ، وبما أن المعاطاة خالية عن اللفظ فتكون فاسدة ونقتطف من تلك الأخبار ما يلي : عن عبد الرحمان بن سليمان ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سمعته يقول : إن المصاحف لن تشتري ، فإذا اشتريت فقل إنما أشتري منك الورق وما فيه من الأدم وحليته وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا ( الكافي 5 : 121 ، عنه الوسائل 17 : 158 ، وفيه : عبد الرحمان بن سيابة ) ، مجهولة بعبد الرحمان . وعن سماعة ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سألته عن بيع المصاحف وشرائها ، قال : لا تشتر كتاب الله عز وجل ولكن اشتر الحديد والورق والدفتين ، وقل : اشتريت منك هذا بكذا وكذا ( الكافي 5 : 121 ) ، ضعيفة بعثمان بن عيسى . وعن العجلي ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة والأنبار فيه ثلاثون طن ، فقال البائع : قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن ، فقال المشتري : قد قبلت واشتريت ورضيت - الخ ، صحيحة . وعن سماعة قال : سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها ، فقال : لا ألا أن يشتري معها شيئا غيرها رطبة أو بقلا ، فيقول : أشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا - الخ ( الكافي 5 : 176 ، الفقيه 3 : 133 ، التهذيب 7 : 84 ، الإستبصار 3 : 86 ، عنهم الوسائل 18 : 219 ) ، ضعيفة بعثمان بن عيسى . وعن محمد بن مسلم ، عن أحدهما ( عليهما السلام ) أنه قال في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه ولا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه ، فقال كل واحد منهما لصاحبه : لك ما عندك ولي ما عندي ، قال : لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت أنفسهما ( الكافي 5 : 258 ) ، حسنة بإبراهيم بن هاشم . وعن الحلبي ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنه قال في الرجل يعطي الرجل المال فيقول له : ائت أرض كذا وكذا ولا تجاوزها واشتر منها ، قال : فإن جاوزها وهلك المال فهو ضامن ، وإن اشترى متاعا فوضع فيه فهو عليه وإن ربح فهو بينهما ( الكافي 5 : 240 ) ، صحيحة . وعن يحيى بن الحجاج ، قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن رجل قال لي : اشتر هذا الثوب أو هذه الدابة وبعنيها أربحك فيها كذا وكذا ، قال : لا بأس بذلك ليشتريها ولا يواجبه البيع قبل أن يستوجبها أو يشتريها ، ( الكافي 5 : 198 ) ، صحيحة . وعن جراح المدائني ، قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إني أكره بيع ده يازده وده دوازده ، لكن أبيعك بكذا وكذا ، ( الكافي 5 : 197 ، التهذيب 7 : 55 ، عنهما الوسائل 18 : 62 ) ، ضعيفة بجراح وقاسم بن سليمان . وعن محمد قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إني أكره بيع عشرة بأحد عشر وعشرة باثني عشر ونحو ذلك من البيع ولكن أبيعك بكذا وكذا مساومة - الخ ، ( الكافي 5 : 197 ، التهذيب 7 : 54 ، عنهما الوسائل 18 : 63 ) ، ضعيفة بمعلى بن محمد . وعن العلاء ، قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : الرجل يريد أن يبيع بيعا فيقول : أبيعك بده دوازده ، فقال : لا بأس إنما هي هذه المراوضة ، فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة ( التهذيب 7 : 54 ، قرب الإسناد : 15 ) ، صحيحة . وعن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك تساومه ثم تشتري له نحو الذي طلب ثم توجبه على نفسك ثم تبيعه منه بعد ( الكافي 5 : 201 ) ، صحيحة . إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في الأبواب المتفرقة ، ولكن غاية ما يستفاد منها أن المعاملات المزبورة في تلك الروايات إنما أنشأت باللفظ ، ومن البديهي أنه لا اشعار في ذلك على اعتبار اللفظ في صحة البيع أو لزومه فضلا عن الدلالة عليه ، وهذا واضح لا خفاء فيه .