ذكر الإمام ( عليه السلام ) أنه ينقسم إلى قسمين وبين أن قسما منه محلل ،
كالمقاولة على متاع ليس عند البائع ، وقسم منه محرم كايجاب البيع
عليه ، وإذن فالانشاء الفعلي خارج عن حدود الرواية موضوعا .
وأما ما ذكره من أن وجه انحصار ايجاب البيع في الكلام - الخ ، فيتوجه عليه :
أولا : إنا لا نسلم عدم امكان المعاطاة في مورد الرواية ، بديهة أن
الظاهر منها وجود المتاع عند الدلال ، ولذا أشار إليه الرجل بكلمة :
هذا ، وقال لصاحبه : اشتر هذا الثوب أربحك كذا ، ولا أقل من
الاحتمال ، ومعه لا يتم الاستدلال .
ثانيا : إنا لو سلمنا غياب المتاع في مورد الرواية عن المتعاملين ، ولكنا
لا نسلم اختصاص المعاطاة بالتعاطي من الطرفين ، ضرورة أن المعاطاة
كما تتحقق بالتعاطي من الطرفين كذلك تتحقق بالاعطاء من جانب
والأخذ من جانب آخر ، وسيأتي ذلك في تنبيهات المعاطاة ، ولعل
المصنف قد أشار إلى هذين الاشكالين أو إلى أحدهما بالأمر بالتأمل .
والمتحصل من جميع ما ذكرناه أنه لا دلالة في رواية ابن نجيح على
اعتبار اللفظ في صحة البيع أو لزومه ، لكي تدل على فساد المعاطاة أو
على عدم لزومه ، على أن هذه الرواية التي بين يدينا مجهولة فلا يمكن
الاستدلال بها على الحكم الشرعي ( 1 ) .
هامش
1 - قد استدل على اعتبار اللفظ في صحة البيع بوجوه شتى غير رواية ابن نجيح :
1 - ما عن أبي هريرة أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) نهي عن بيعتين : الملامسة والمنابذة - الحديث ،
( سنن البيهقي 5 : 341 ) .
وعنه أيضا أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) نهي عن بيع الغرر وعن بيع الحصاة ( سنن البيهقي 5 : 342 ) .
ووجه الاستدلال بذلك على المقصود ، أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) إنما نهي عن انشاء البيع باللمس
والنبذ والقاء الحصاة لانتفاء اللفظ فيها ، ومن الواضح أن المعاطاة فاقدة له فتكون مشمولة
للنبويين المزبورين ولو بتنقيح المناط .
والجواب عن ذلك :
أولا : إنهما ضعيفا السند وغير منجبرين بشئ .
ثانيا : إن النهي عن البيوع المذكورة من ناحية الجهالة والغرر ، فلا ربط له بالمعاطاة ، إذ
المفروض أنها واجدة لجميع الشرائط إلا اللفظ .
ثالثا : إن بطلان انشاء البيع باللمس والنبذ والقاء الحصاة لا يستلزم بطلان انشائه بغيرها من
الأفعال لامكان أن يكون النهي عن انشاء البيع بها من ناحية نكتة خاصة لا نعلمها .
وعليه فلا يمكن قياس المعاطاة بها ، وإذن فتكون المعاطاة مشمولة للعمومات الدالة على
صحة المعاملات .
2 - قيام الاجماع على اعتبار اللفظ في صحة البيع ، والمعاطاة فاقدة له فتكون فاسدة .
ويرد عليه أن الاجماع المحصل غير حاصل والاجماع المنقول ليس بحجة ، وعليه
فلا يمكن تخصيص العمومات الدالة على صحة العقود ولزومها بذلك .
3 - الأخبار الكثيرة الظاهرة في اعتبار اللفظ في صحة البيع ، وبما أن المعاطاة خالية عن
اللفظ فتكون فاسدة ونقتطف من تلك الأخبار ما يلي :
عن عبد الرحمان بن سليمان ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سمعته يقول : إن المصاحف لن
تشتري ، فإذا اشتريت فقل إنما أشتري منك الورق وما فيه من الأدم وحليته وما فيه من عمل
يدك بكذا وكذا ( الكافي 5 : 121 ، عنه الوسائل 17 : 158 ، وفيه : عبد الرحمان بن سيابة ) ،
مجهولة بعبد الرحمان .
وعن سماعة ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سألته عن بيع المصاحف وشرائها ، قال : لا تشتر
كتاب الله عز وجل ولكن اشتر الحديد والورق والدفتين ، وقل : اشتريت منك هذا بكذا وكذا
( الكافي 5 : 121 ) ، ضعيفة بعثمان بن عيسى .
وعن العجلي ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن في أنبار
بعضه على بعض من أجمة واحدة والأنبار فيه ثلاثون طن ، فقال البائع : قد بعتك من هذا القصب
عشرة آلاف طن ، فقال المشتري : قد قبلت واشتريت ورضيت - الخ ، صحيحة .
وعن سماعة قال : سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها ، فقال : لا ألا
أن يشتري معها شيئا غيرها رطبة أو بقلا ، فيقول : أشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا
الشجر بكذا وكذا - الخ ( الكافي 5 : 176 ، الفقيه 3 : 133 ، التهذيب 7 : 84 ، الإستبصار 3 : 86 ،
عنهم الوسائل 18 : 219 ) ، ضعيفة بعثمان بن عيسى .
وعن محمد بن مسلم ، عن أحدهما ( عليهما السلام ) أنه قال في رجلين كان لكل واحد منهما طعام
عند صاحبه ولا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه ، فقال كل واحد منهما لصاحبه : لك ما
عندك ولي ما عندي ، قال : لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت أنفسهما ( الكافي 5 : 258 ) ، حسنة
بإبراهيم بن هاشم .
وعن الحلبي ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنه قال في الرجل يعطي الرجل المال فيقول له : ائت
أرض كذا وكذا ولا تجاوزها واشتر منها ، قال : فإن جاوزها وهلك المال فهو ضامن ، وإن
اشترى متاعا فوضع فيه فهو عليه وإن ربح فهو بينهما ( الكافي 5 : 240 ) ، صحيحة .
وعن يحيى بن الحجاج ، قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن رجل قال لي : اشتر هذا الثوب أو
هذه الدابة وبعنيها أربحك فيها كذا وكذا ، قال : لا بأس بذلك ليشتريها ولا يواجبه البيع قبل أن
يستوجبها أو يشتريها ، ( الكافي 5 : 198 ) ، صحيحة .
وعن جراح المدائني ، قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إني أكره بيع ده يازده وده دوازده ، لكن
أبيعك بكذا وكذا ، ( الكافي 5 : 197 ، التهذيب 7 : 55 ، عنهما الوسائل 18 : 62 ) ، ضعيفة بجراح
وقاسم بن سليمان .
وعن محمد قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إني أكره بيع عشرة بأحد عشر وعشرة باثني عشر
ونحو ذلك من البيع ولكن أبيعك بكذا وكذا مساومة - الخ ، ( الكافي 5 : 197 ، التهذيب 7 : 54 ،
عنهما الوسائل 18 : 63 ) ، ضعيفة بمعلى بن محمد .
وعن العلاء ، قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : الرجل يريد أن يبيع بيعا فيقول : أبيعك بده
دوازده ، فقال : لا بأس إنما هي هذه المراوضة ، فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة ( التهذيب
7 : 54 ، قرب الإسناد : 15 ) ، صحيحة .
وعن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس
عندك تساومه ثم تشتري له نحو الذي طلب ثم توجبه على نفسك ثم تبيعه منه بعد ( الكافي
5 : 201 ) ، صحيحة .
إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في الأبواب المتفرقة ، ولكن غاية ما يستفاد منها أن
المعاملات المزبورة في تلك الروايات إنما أنشأت باللفظ ، ومن البديهي أنه لا اشعار في ذلك
على اعتبار اللفظ في صحة البيع أو لزومه فضلا عن الدلالة عليه ، وهذا واضح لا خفاء فيه .