تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصباح الفقاهة تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وبتعبير آخر : أن مورد الاستصحاب الكلي ما يكون المشكوك فيه مرددا بين الفرد الزائل والفرد الباقي ، بحيث يكون الشك من ناحية تردد المشكوك فيه بينهما ، فإنه حينئذ يستصحب الكلي الجامع بين هذين الفردين . ومثال ذلك : الحيوان المردد بين ما يعيش سنة وما لا يعيش إلا يوما واحدا ، وكالحدث المردد بين الأصغر الزائل بالوضوء والأكبر الذي لا يرتفع إلا بالغسل ، وغير ذلك من الأمثلة ، وأما لو كان الشك من ناحية بقاء الفرد الحادث وارتفاعه في نفسه لا من ناحية كون الحادث مرددا بين الزائل والباقي ، فإن المورد حينئذ إنما هو مورد الاستصحاب الشخصي ، وذلك كالشك في بقاء الأمور الشخصية وزوالها ، ولا شبهة أن الملكية من القبيل الثاني . مثلا إذا وهب أحد ماله لشخص ثم رجع عن هبته وشككنا في أنها هبة جائزة لكي تنفسخ بالفسخ أو هبة لازمة حتى لا تزول بالفسخ ، إذا شك في ذلك استصحبنا الملكية ، لأن الشك في بقاء شخص الملكية وزوالها من ناحية احتمال اقترانها بالرافع لا من جهة تردد هذه الملكية بين الفرد الزائل والفرد الباقي ، ومن الواضح أنه لو كان مجرد الشك في بقاء شئ وزواله لاحتمال تحقق الرافع من الاستصحابات الكلية ، لكان جل الاستصحابات لو لم يكن كلها من قبيل الاستصحاب الكلي وهو واضح البطلان . وإذن فلا يتوجه على استصحاب الملكية في المقام ما يتوجه على الاستصحاب الكلي من المناقشات ( 1 ) .
هامش
1 - قيل : إنا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان أن سبب الملك اللازم كالبيع يغاير سبب الملك الجائز كالهبة تغايرا حقيقيا ، وعليه فلو كانت الملكية الحاصلة منهما حقيقة واحدة وماهية فاردة لزم من ذلك تأثير ماهيات كثيرة في ماهية واحدة ، وهو محال ، وإذن فالملك الجائز والملك اللازم مختلفان نوعا لاختلاف سببهما ، وعلى هذا فاستصحاب الملكية مع الشك في زوالها وبقائها من الاستصحابات الكلية لا الشخصية . وأجاب عنه بعض المحققين من المشايخ ، وإليك لفظه : إن اختلاف السبب بما هو سبب كاشف قطعي عن اختلاف المسبب ، وأما اختلاف ذات السبب فلا ، لامكان تأثير السببين بجامعهما أثرا واحدا ، وهو الملك ، وبخصوصيتهما حكمين مختلفين ، وهما اللزوم والجواز . وفيه : أن امكان تأثير الأسباب العديدة بجامعهما أثرا واحدا لا يكفي في اثبات اتحاد المسبب لكي نستصحبه بشخصه مع الشك في بقائه وزواله ، والتحقيق أن الجواب عن المناقشة المزبورة بوجهين : 1 - إن في اطلاق السبب على عنوان المعاملة مسامحة واضحة ، إذ لا تأثير له في الملكية بوجه ، غير أنه موضوع للملكية الشرعية أو العقلائية ، ولا شبهة أن هذه الملكية تتشخص باعتبار المعتبر ، وإذن فالملكية المترتبة على عنوان المعاملة ملكية شخصية ، فإذا شك في بقائها وزوالها استصحبناها . وبتعبير آخر أنه قد يراد من الملك مفهومه القابل للصدق على جميع أفراد الملك ، ولا ريب في أنه كلي ، ولكنه خارج عن محل البحث ، بداهة أن المترتب على المعاملة ليس هو المفهوم بل مصداقه . وقد يراد به ما اعتبره المنشئ في عالم الاعتبار وأظهره بمبرز خارجي ، ولا شبهة في أن هذا جزء من عنوان المعاملة ، كالصلح والهبة والبيع ، ضرورة أنها عبارة عن الاعتبار النفساني المظهر بمظهر خارجي ، ولا شك في أن المعتبر النفساني ليس إلا أمرا شخصيا . وقد يراد من الملك الملكية الشرعية ، وبديهي أنها ليست إلا امضاء لما اعتبره المنشئ فتكون شخصية بشخصية ما اعتبره المنشئ ، وعليه فإذا شك في بقائه كان استصحابه من الاستصحاب الشخصي . 2 - إن اختلاف الملكية في اللزوم والجواز إنما هو باختلاف المصالح التي دعت إلى اعتبار الملك لازما تارة وجائزا تارة أخرى ، ومن البديهي أن هذا أجنبي عن نفس الملكية التي هي أمر اعتباري محض . وقد تجلي لك من ذلك فساد ما قيل من أن الملكية المترتبة على المعاملات وإن كانت شخصية ولكنها ذات مراتب شتى فتكون كلية من هذه الناحية ، وإذن فالاستصحاب الجاري فيها استصحاب كلي لا شخصي .