وبتعبير آخر : أن مورد الاستصحاب الكلي ما يكون المشكوك فيه
مرددا بين الفرد الزائل والفرد الباقي ، بحيث يكون الشك من ناحية تردد
المشكوك فيه بينهما ، فإنه حينئذ يستصحب الكلي الجامع بين هذين الفردين .
ومثال ذلك : الحيوان المردد بين ما يعيش سنة وما لا يعيش إلا يوما
واحدا ، وكالحدث المردد بين الأصغر الزائل بالوضوء والأكبر الذي
لا يرتفع إلا بالغسل ، وغير ذلك من الأمثلة ، وأما لو كان الشك من ناحية
بقاء الفرد الحادث وارتفاعه في نفسه لا من ناحية كون الحادث مرددا بين
الزائل والباقي ، فإن المورد حينئذ إنما هو مورد الاستصحاب الشخصي ،
وذلك كالشك في بقاء الأمور الشخصية وزوالها ، ولا شبهة أن الملكية
من القبيل الثاني .
مثلا إذا وهب أحد ماله لشخص ثم رجع عن هبته وشككنا في أنها هبة
جائزة لكي تنفسخ بالفسخ أو هبة لازمة حتى لا تزول بالفسخ ، إذا شك
في ذلك استصحبنا الملكية ، لأن الشك في بقاء شخص الملكية وزوالها
من ناحية احتمال اقترانها بالرافع لا من جهة تردد هذه الملكية بين الفرد
الزائل والفرد الباقي ، ومن الواضح أنه لو كان مجرد الشك في بقاء شئ
وزواله لاحتمال تحقق الرافع من الاستصحابات الكلية ، لكان جل
الاستصحابات لو لم يكن كلها من قبيل الاستصحاب الكلي وهو واضح البطلان .
وإذن فلا يتوجه على استصحاب الملكية في المقام ما يتوجه على
الاستصحاب الكلي من المناقشات ( 1 ) .
هامش
1 - قيل : إنا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان أن سبب الملك اللازم كالبيع يغاير سبب الملك
الجائز كالهبة تغايرا حقيقيا ، وعليه فلو كانت الملكية الحاصلة منهما حقيقة واحدة وماهية
فاردة لزم من ذلك تأثير ماهيات كثيرة في ماهية واحدة ، وهو محال ، وإذن فالملك الجائز
والملك اللازم مختلفان نوعا لاختلاف سببهما ، وعلى هذا فاستصحاب الملكية مع الشك في
زوالها وبقائها من الاستصحابات الكلية لا الشخصية .
وأجاب عنه بعض المحققين من المشايخ ، وإليك لفظه : إن اختلاف السبب بما هو سبب
كاشف قطعي عن اختلاف المسبب ، وأما اختلاف ذات السبب فلا ، لامكان تأثير السببين
بجامعهما أثرا واحدا ، وهو الملك ، وبخصوصيتهما حكمين مختلفين ، وهما اللزوم والجواز .
وفيه : أن امكان تأثير الأسباب العديدة بجامعهما أثرا واحدا لا يكفي في اثبات اتحاد
المسبب لكي نستصحبه بشخصه مع الشك في بقائه وزواله ، والتحقيق أن الجواب عن المناقشة
المزبورة بوجهين :
1 - إن في اطلاق السبب على عنوان المعاملة مسامحة واضحة ، إذ لا تأثير له في الملكية
بوجه ، غير أنه موضوع للملكية الشرعية أو العقلائية ، ولا شبهة أن هذه الملكية تتشخص
باعتبار المعتبر ، وإذن فالملكية المترتبة على عنوان المعاملة ملكية شخصية ، فإذا شك في
بقائها وزوالها استصحبناها .
وبتعبير آخر أنه قد يراد من الملك مفهومه القابل للصدق على جميع أفراد الملك ، ولا ريب
في أنه كلي ، ولكنه خارج عن محل البحث ، بداهة أن المترتب على المعاملة ليس هو المفهوم بل مصداقه .
وقد يراد به ما اعتبره المنشئ في عالم الاعتبار وأظهره بمبرز خارجي ، ولا شبهة في أن
هذا جزء من عنوان المعاملة ، كالصلح والهبة والبيع ، ضرورة أنها عبارة عن الاعتبار النفساني
المظهر بمظهر خارجي ، ولا شك في أن المعتبر النفساني ليس إلا أمرا شخصيا .
وقد يراد من الملك الملكية الشرعية ، وبديهي أنها ليست إلا امضاء لما اعتبره المنشئ
فتكون شخصية بشخصية ما اعتبره المنشئ ، وعليه فإذا شك في بقائه كان استصحابه من
الاستصحاب الشخصي .
2 - إن اختلاف الملكية في اللزوم والجواز إنما هو باختلاف المصالح التي دعت إلى اعتبار
الملك لازما تارة وجائزا تارة أخرى ، ومن البديهي أن هذا أجنبي عن نفس الملكية التي هي
أمر اعتباري محض .
وقد تجلي لك من ذلك فساد ما قيل من أن الملكية المترتبة على المعاملات وإن كانت
شخصية ولكنها ذات مراتب شتى فتكون كلية من هذه الناحية ، وإذن فالاستصحاب الجاري
فيها استصحاب كلي لا شخصي .