قيل : إنا لو سلمنا دلالة الآية على جواز البيع وضعا وتكليفا ، أو قلنا
بدلالتها على حلية التصرفات واستكشفنا منها الملكية من أول الأمر ،
لكنها لا تشمل المعاطاة لعدم صدق البيع عليه ، إذ البيع إما من مقولة
اللفظ - كما عن بعض الأعلام - بدعوى أنه لو كان من قبيل المعنى لزم منه
القول بالكلام النفسي الذي هو مدلول الكلام اللفظي ، وهو باطل
بالضرورة ، أو أنه من مقولة المعنى بدعوى أنه لو كان من قبيل اللفظ
لم يعقل انشاؤه باللفظ .
وعلى كلا التقديرين لا يصدق مفهوم البيع على المعاطاة ، أما على
الأول فواضح ، وأما على الثاني فلأن البيع وإن كان من قبيل المعنى ولكن
صدق عنوان البيع عليه يحتاج إلى ابرازه باللفظ ، إذ المفروض أن الكلام
النفسي مدلول للكلام اللفظي ، ومن الواضح جدا أن المعاطاة لم تبرز
باللفظ فتكون خارجة عن حدود البيع جزما .
والجواب عن ذلك : أن البيع ليس اسما لمجرد اللفظ ، وإلا لزم تحققه
بالتكلم بلفظ بعت ، وإن لم يتحقق به الانشاء ، ولا أنه اسم للاعتبار
النفساني غير المبرز بمظهر خارجي وإلا لزم تحققه بالاعتبار الساذج ،
وإن لم يكن مبرزا في الخارج ، بل هو اسم للاعتبار النفساني المظهر
بمبرز خارجي ، ومن الواضح أنه لا يعتبر في المبرز أن يكون من قبيل
الألفاظ ، بل كما يصح ابراز الاعتبار النفساني باللفظ كذلك يصح ابرازه
بغيره ، وعلى كل حال لا صلة للمقام بالكلام النفسي الذي ذكرنا بطلانه
في محله ( 1 ) .
هامش
1 - قوله ( رحمه الله ) : وجه التمسك بقوله تعالى : إلا أن تكون تجارة عن تراض .
تقريب الاستدلال به على نحوين كما عرفت في الآية المتقدمة ، لأن الأكل في الآية كناية
عن التملك لا الأكل الخارجي ، فنهي سبحانه عن تملك الأموال بالأسباب الباطلة إلا أن تكون
تجارة عن تراض ، فيجوز التملك بها ، فحينئذ إن قلنا بأن الجواز إذا استند إلى الاعتبارات
العرفية يراد به الصحة فتدل الآية بالمطابقة على صحة ذلك ، وإن قلنا بأنه ظاهر في الجواز
التكليفي فبالدلالة الالتزامية العرفية تدل عليها على ما عرفت في الآية السابقة .
ثم لا يخفى أن ما حكي عن الغنية من دعوى الاجماع على أن المعاطاة ليست بيعا فهو
مكابرة للوجدان ، فإن القائل بعدم إفادتها الملك أيضا لا ينفي صدق البيع عليها عرفا ، ومن هنا
حمل كلامه على نفي الصحة أو اللزوم .