شرح
كونه حصورا ، وهو الذي لا يشتهي النساء ، وقيل : الذي يمكنه أن يأتي ولا يفعله . ( 1 )
واستدل له أيضا بأن في النكاح تعريضا لتحمل حقوق الزوجية ، والاشتغال
عن كثير من المقاصد الدينية ، وحصول الولد الصالح والزوجة الصالحة غير معلوم ،
وبالذم المتبادر من قوله تعالى : ( زين للناس حب الشهوات من النساء ) ( 2 ) خرج
منه ما أجمع على رجحانه فيبقى الباقي [ على الذم ] ( 3 ) .
وأجيب : بأن مدح يحيى عليه السلام بذلك لعله مختص بشرعه ، فلا يلزم
مثله في شرعنا .
وفيه نظر ، لأن المدح في كتابنا - وهو شرعنا - مطلق ، فلا دلالة على
اختصاصه بشرعه . وعلى تقدير نقله عن شرعه ففي تعديه إلى شرعنا مع نقل
القرآن له وعدم الإشارة إلى نسخه دليل على ثبوته . وكون شرعنا ناسخا لما قبله
من الشرائع يفيد نسخ المجموع من حيث هو مجموع أما الأفراد فلا ، للقطع ببقاء
كثير منها في شرعنا ، كأكل الطيبات ونكاح الحلائل وغير ذلك .
وأجيب أيضا : بأنه كان مكلفا بارشاد أهل زمانه في بلادهم
المقتضي للسياحة ومفارقة الزوجة ، المنافي لرجحان التزويج . وفيه نظر ، لأن مثله
وارد في شرعنا ، ولا يقولون باستحباب ترك التزويج لذلك .
والأولى في الجواب أن يقال : إن مدحه بكونه حصورا - وهو أن لا يشتهي
النساء - لا يدل على كون التزويج مع ذلك مرجوحا ، بل فائدته أنه إذا لم
يشته النساء ، يتفرغ للعبادة والتوجه إلى الله تعالى بقلب فارغ من الشهوة
الطبيعية المانعة من ذلك غالبا ، وإن كان التزويج مع ذلك راجحا ، لأن
هامش
( 1 ) المبسوط 4 : 160 .
( 2 ) آل عمران : 14 .
( 3 ) من إحدى الحجريتين .